وأما "لكِنْ"؛ فقال السُّهيلي: "أصح القولين فيها أنها مركبة من "لا" و"إنَّ" و"كاف الخطاب" في قول الكوفيين. قال السهيلي: وما أراها إلا كاف التشبيه؛ لأن المعنى يدل عليها إذا قلت: "ذهب زيد لكنَّ عَمْرًا مقيم"، تريد: لا [كفعل]٢ عَمرو، فـ "لا" لتوكيد النفي عن الأول، و"إنَّ" لإيجاب الفعل الثاني، وهو المنفي عن الأول؛ لأنك ذكرتَ [الذهاب]٣ الذي هو ضده فدلَّ على انتفائه به.
قلت: وفي هذا من التعسف والبعد عن اللغة والمعنى ما لا يخفى، وأيُّ حاجة إلى هذا بل هي حرف بشرطٍ٤ موضوع للمعنى المفهوم منها، ولا تقع إلا بين كلامين متنافِيَين.
ومن هنا قال: إنها رُكِّبت من: "لا والكاف وإن"، إلا أنهم لما حذفوا الهمزة المكسورة٥ كسروا الكاف إشعارًا بها، ولابدَّ بعدها من جملة إذا كان الكلام قبلها موجَبًا، شدَّدتَ نونها أو خفَّفتَ، فإن كان ما٦ قبلها منفيًّا اكتفيت بالاسم المفرد بعدها، إذا خُفِّفت النون منها، لِعِلْم المخاطب أنه لا يضاد النفي إلا الإيجاب، فلما اكتفت باسم مفرد -وكانت إذا خُفِّفت نونُها لا تعمل- صارت (ق/٧٩ أ) كحروف العطف فألحقوها بها؛ لأنهم حين استغنوا عن خبرها بما تقدم من
(١) "نتائج الفكر": (ص/ ٢٥٥).
(٢) من "النتائج" وتحرّفت في النسخ.
(٣) في الأصول: "الذاهب" والمثبت من "النتائج".
(٤) كذا في (ظ)، وفي (ق): "حروف ... " و(د) والمطبوعات: "حرف شرط"!.
(٥) في الأصول وبعض نسخ "النتائج": "المذكورة" والمثبت من إحدى نسخ النتائج.
(٦) (ظ ود): "ما في"!.
الدلالة، كان إجراء ما بعدها على ما قبلها أولى وأحرى، ليتفق اللفظ كما اتفق المعنى.
فإن قيل: أليس مضادة النفي للوجوب بمثابة مضادة الوجوب للنفي، وهي في كل١ حال لا تقع إلا بين كلامين متضادَّيْن، فلم قالوا: "ما قام زيد لكن عَمْرو"، اكتفاءً بدلالة النفي على نقيضه، وهو الوجوب (ظ/ ٦٠ أ)، ولم يقولوا: "قام زيد لكن عمرو"، اكتفاءً بدلالة الوجوب على نقيضه من النفي؟.
قيل: إن الفعل الموجب٢ قد يكون له معانٍ تضاده وتناقض وجوده، كالعِلْم فإنه يناقض وجوده الشك والظن والغفلة والموت، وأخصُّ أضدادِه به الجهل، فلو قلت: "قد علمت الخبر لكن زيد"، لم يُدْرَ ما أضفت إلى زيد، أظن أم شك أم غفلة أم جهل، فلم يكن بُدٌّ من جملة قائمة بنفسها ليعلم ما تريد، فإذا تقدَّم النفيُ نحو قولك: "ما علمتُ الخبرَ لكن زيد"، اكتفى باسم واحد؛ لِعِلم المخاطَب أنه لا يضاد نفي العلم إلا وجودُه؛ لأن النفي يشتمل على جميع الأضداد المنافية للعلم.
فإن قيل: فلم إذا خففت "لكن" وجبَ إلغاؤها، بخلاف "أَنَّ" و"إِنَّ" و"كأن"، فإنه يجوز فيها الوجهان مع التخفيف، كما قال:
*كَأَنْ ظَبْيةً تَعْطُو إِلى وَارِقِ السَّلَم٣ *
(١) ليست في (ظ ود).
(٢) (ق): "من الوجوب".
(٣) صدره: * ويومًا توافينا بوجهٍ مقسَّمٍ * ذكره في "اللسان": (١٢/ ٤٨٢) ونسبه إلى كعب بن أرقم اليشكري.