بدائع الفوائد

قيل: زعم الفارسي أن القياس فيهن كلهن الإلغاء إذا خُفِّفن، فلذلك ألزموا "لكن" إذا خُفِّفت الإلغاء، تنبيهًا على أن ذلك هو الأصل في جميع الباب، وهذا القول مع ما يلزم عليه من الضعف والوهن ينكسر عليه بأخواتها، فيقال له: فلم خُصَّت "لكن" بذلك دون "أنَّ" و"إنَّ" و[كأنَّ]١؟ ولا جواب له عن هذا!.

قال السهيلي٢: وإنما الجواب عن ذلك أنها لما رُكِّبت من "لا" و"إن" ثم حُذِفت الهمزة اكتفاء بكسر "الكاف" بقي عمل "إنَّ" لبقاء العلة الموجبة للعمل، وهي فتح آخرها، وبذلك ضارَعَت الفعل، فلما حُذِفت النون المفتوحة وقد ذهبت الهمزة للتركيب ولم يبقَ إلا النون الساكنة، وجبَ إبطال حكم العمل بذهاب طرفيها وارتفاع عِلة المضارعة للفعل، بخلاف أخواتها إذا خُفِّفن، فإن معظم لفظها باقٍ، فجاز أن يبقى حكمها، على أن الأستاذ أبا القاسم الرَّمَّاك٣ قد حكى رواية عن يونس أنه حكى الإعمال في "لكن" مع تخفيفها، وكان يستغرب هذه الرواية.

واعلم أن "لكن" لا تكون حرف عطف مع دخول "الواو" عليها؛ لأنه لا يجتمع حرفان من حروف العطف، فمتى رأيت حرفًا من حروف

  1. (١) من "النتائج".
  2. (٢) في "نتائج الفكر": (ص/٢٥٧).
  3. (٣) هو: عبد الرحمن بن محمد أبو القاسم الأموي الإشبيلي المعروف بابن الرَّمَّاك ت (٥٤١).
    انظر: "بغية الملتمس": (ص/ ٣٤٦)، و"بغية الوعاة": (٢/ ٨٦) ووصفه السُّهيلي بأنه كان إمامًا في هذه الصناعة.
349

العطف١ مع الواو، فالوَاوُ هِيَ العاطفة دونه؛ فمن ذلك "إما"، إذا قلت: "إما زيد وإما عَمَرو"، وكذلك "لا" إذا قلتَ: "ما قام زيد (ق / ٧٩ ب) ولا عَمْرو"، ودخلت "لا" لتوكيد النفي، ولئلا يتوهم أن "الواو" جامعة، وأنك نفيتَ قيامهما في وقت واحد.

[فصل في لا العاطفة]

ولا تكون "لا"٢ عاطفة إلا بعد إيجاب، وشرطٌ آخر، وهو أن يكون الكلام قبلها يتضمَّن بمفهومِ الخطاب نفيَ الفعل عما بعدها، كقولك: "جاءني رجلٌ لا امرأة، ورجل عالم لا جاهل"، ولو قلتَ: "مررتُ برجل لا زيد"، لم يَجُز، وكذلك: "مررتُ برجل لا عاقل"؛ لأنه ليس في مفهوم الكلام ما ينفي الفعل عن الثاني، وهي لا تدخل إلا لتوكيد نفيٍ، فإن أردت ذلك المعنى جئت بلفظ "غير"، فتقول: "مررتُ برجل غير زيد"، و"برجل غيرِ عالمٍ"، ولا تقول: "برجلٍ غير امرأة"، ولا: "بطويل غير قصير"؛ لأن في مفهوم الخطاب ما يغنيك عن مفهوم النفي الذي في "غير"، وذلك المعنى الذي دل عليه المفهوم حين قلتَ: بطويل لا قصير.

وأمَّا إذا كانا اسمين مُعَرَّفَين نحو: "مررت بزيد لا عَمْرو"، فجائز هنا دخول غير، لجمودِ الاسم العلم، فإنه ليس له مفهوم خطاب (ظ/٦٠ ب) عند الأصوليين٣، بخلاف الأسماء المشتقة وما جرى مجراها، كرجل، فإنه: بمنزلة قولك: ذكر، ولذلك دلَّ بمفهومه على انتفاء٤ الخبر عن المرأة، ويجوز أيضًا: "مررتُ بزيد لا عَمْرو"؛

  1. (١) "فمتى رأيت حرفًا من حروف العطف" سقط من (ق).
  2. (٢) سقطت من (ظ ود).
  3. (٣) في "النتائج": "إلا الصيرفي من الشافعية".
  4. (٤) في الأصول، ونسخ "النتائج": "انتقال" واستظهر محققه ما أثبتُّه.
350

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي