بدائع الفوائد

ذلك إلا تأكيد نفي إضافة الصراط إلى المغضوب عليهم، كما تقول: "هذا غلام زيد لا عَمْرو"، أكدت نفيَ الإضافة عن عَمْرو، بخلاف قولك: "هذا غلام الفقيه غير الفاسق ولا الخبيث"، فكأنك جَمَعتَ بين إضافة الغلام إلى الفقيه دون غيره، وبين نفي الصفة المذمومة عن الفقيه، فافهمه.

فإن قيل: وأي شيء أكَّدَت "لا" حين أدخلتَ عليها الواو، وقد (ق/ ٨٠ أ) قلت: إنها لا تؤكد النفي المتقدم، وإنما تؤكد نفيًا يدل عليه اختصاص الفعل الواجب بوصف "ما"، كقولك: "جاءني عالم لا جاهل"؟.

فالجواب: أنك حين قلت: " [ما] جاءني زيد"، لم يدل الكلام على نفي المجيء عن عَمْرو كما تقدم، فلَما عُطِفت بالواو دلَّ الكلامُ على انتفاء الفعل عن عمرو، كما انتفى عن الأول لمقام الواو مقام تَكْرار حرف النفي١، فدخلت "لا" لتوكيد النفي٢ عن الثاني.

فائدة بديعة

"أم" تكون على ضربين؛ متصلة وهي المعادلة لهمزة الاستفهام، وإنما جعلوها معادلة للهمزة دون "هل" و" [متى]٣ " و"كيف"؛ لأن الهمزة هي أم الباب، والسؤال بها استفهام بسيط مطلق، غير مقيد بوقتٍ ولا حال، والسؤال بغيرها استفهام مركَّب مقيد؛ إما بوقت [كـ "متى"، وإما بمكان]٤ كـ "أين"، وإما بحال نحو "كيف"، وإما

  1. (١) (ق): "مقام بل إن حرف ... "، و(ظ): "لقيام الواو مقام تكرار النفي".
  2. (٢) (ق): "الفعل".
  3. (٣) في الأصول: "من" والمثبت من "المنيرية".
  4. (٤) ما بين المعكوفين من "المنيرية".
352

بنسبةٍ، نحو: "هل زيد عندك"؟ ولهذا لا يقال: "كيف زيد أم عَمرو"، ولا: "أين زيد أم عَمْرو". ولا: "من زيد أم عَمْرو"١.

وأيضًا؛ فلأنَّ الهمزة و"أم" يصطحبان كثيرًا، كقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] ونحو قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ٢٧﴾ [النازعات: ٢٧].

وأيضًا؛ فلأن اقتران "أم" بسائر أدوات النفي غير الهمزة يُفْسد معناها، فإنك إذا قلتَ: كيف زيد، فأنت سائل عن حاله، فإذا قلت: أم عَمْرو، كان خَلْفًا من الكلام، وكذلك إذا قلتَ: من عندك، فأنت سائل عن تعيينه، فإذا قلتَ: أم عَمْرو، فسد الكلام، وكذلك الباقي.

وأيضًا؛ فإنما عادَلَت الهمزة دون غيرها؛ لأن الهمزة من بين حروف الاستفهام تكون للتقرير والإثبات، نحو: ألم أُحْسِن إليك؟، فإذا قلت: أعندك زيد أم عَمْرو، فأنت (ظ/٦١ أ) مُقِر بأن أحدهما عنده، ومثبت لذلك، وطالب تعيينه، فأتوا بالهمزة التي تكون للتقرير دون "هل" التي لا تكون لذلك، إنما يستقبل بها الاستفهام استقبالًا.

وسرُّ المسألة: أن "أم" هذه مُشْرَبة معنى أي، فإذا قلت: "أزَيْد عندك أم عَمْرو"؟، كأنك قلت: "أيّ هذين عندك"، ولذلك يتعيَّن الجواب بأحدهما أو بنفيهما أو بإثباتهما. ولو قلت: "نعم" أو "لا"، كان خَلْفًا من الكلام، وهذا بخلاف "أو"، فإنك إذا قلتَ: "أزيد عندك أَو عَمْرو"، كنت سائلًا عن كون أحدهما عنده غير معين، فكأنك قلت: "أعندك أحدهما"، فيتعين الجواب بـ "نعم" أو "لا".

وتفصيل ذلك: أن السؤال على أربع مراتب في هذا الباب،

  1. (١) الجملة الأخيرة ليست في (ق).
353

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي