الأول السؤال بالهمزة منفردة، نحو: "أعندك شيءٌ مما يُحتاج إليه"؟ فتقول: نعم، فتنتقل إلى المرتبة الثانية: بما١، فتقول: ما هو؟ فتقول: متاع، فتنتقل إلى المرتبة الثالثة: بأي، فتقول: إي متاع هو؟ فتقول: ثياب، فتنتقل إلى المرتبة الرابعة: فتقول: "أكتان هو أم قطن أم صوف"؟ وهذه أَخصُّ المراتب وأشدها طلبًا للتعيين، فلا يحسن الجواب إلا بالتعيين، وأشدها إبهاما السؤال الأول؛ لأنه لم يَدَّع فيه أن عنده شيئًا، ثم الثاني أقل إبهامًا منه؛ لأن فيه ادعاء شيءٍ عنده وطلب ماهيته، ثم الثالث أقل إبهامًا؛ وهو السؤال بأي؛ لأن فيه طلب تعيين ما عرف حقيقته، ثم السؤال الرابع بـ "أم" أخص من ذلك كله لأن فيه طلب تعيين فرد من أفراد قد عرفها وميزها، والثالث إنما فيه تعيين جنس عن غيره.
ولا بد في "أم" هذه من ثلاثة أمور تكون بها متصلة:
أحدها: أن تعادل بهمزة الاستفهام.
الثاني: أن يكون السائل٢ عنده علم أحدها دون تعيينه.
الثالث أن لا يكون بعدها جملة من مبتدأ وخبر، نحو قولك: أزيد عندك أم عندك عمرو، فقولك أم عندك عمرو، يقتضي أن تكون منفصلة، بخلاف ما إذا قلت "أزيد عندك أم عمرو"، فإذا وقعت الجملة بعدها فعلية لم تُخرجها عن الاتصال، نحو "أعطيت زيدًا أم حرمته".
وسرُّ ذلك كله: أن السؤال قام عن تعيين أحد الأمرين أو الأمور٣،
(١) من (ق).
(٢) (ق): "أن السائل يكون".
(٣) (ظ): "للأمر".
فإذا قلت: "أزيد عندك أم عمرو" كأنك قلتَ: أيهما عندك، وإذا قلت: "أزيد عندك أم عندك عمرو"، كان كل واحد منهما جملة مستقلة بنفسها، وأنت سائل هل عنده زيد أو لا؟ ثم استأنفت سؤالًا آخر: هل عنده عمرو أم لا؟ فتأمله فإنه من دقيق النحو وفقهه، ولذلك سُمِّيت متصلةً؛ لاتصال ما بعدها بما قبلها وكونه كلامًا واحدًا.
وفي السؤال بها معادلة وتسوية؛ فأما المعادلة؛ فهي بين الاسمين أو الفعلين؛ لأنك جعلت الثاني عديل الأول في وقوع الألف على الأول، و"أم" على الثاني. وأما التسوية؛ فإن الشيئين المسؤول عن تعيين أحدهما مستويان في علم السائل وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾[النازعات: ٢٧] هو على التقرير والتوبيخ، والمعنى: أي١ المخلوقين أشد خلقًا وأعظم؟ ومثله: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾[الدخان: ٣٧].
فإن قيل: هذا ينقض ما أصَّلتموه، فإنكم ادعيتم أنها إنما يسئل [بها] عن تعيين ما عُلِم وقوعه، وهنا لا خير فيهِم ولا في قوم تُبَّع٢؟.
قيل: هذا لا ينقض ما ذكرناه بل يشده ويقويِّه، فإن مثل هذا الكلام يخرج خطابًا على تقرير دعوى المخاطب، وظنه أن هناك خيرًا، ثم يدعي أنه هو ذلك المفضل، فيخرج الكلام مخرج التقريع والتوبيخ على زعمه وظنه، أي: ليس الأمر كما زعمتم، وهذا كما تُعاقِب شخصًا على ذنب لم يفعله مثله ويدعي أنك لا تعاقبه، فتقول: أنت خير أم فلان؟ وقد عاقبتُه بهذا الذنب أي: ولست خيرًا منه.