وأما "أم" التي للإضراب وهي المنقطعة، فإنها قد تكون "أم"٢ إضرابًا، ولكن ليس بمنزلة "بل" كما زعم بعضهم، ولكن إذا مضى كلامك على اليقين ثم أدركك الشك، مثل قولهم: إنها لإِبلٌ أم شاء؟ كأنك أضربت عن اليقين ورجعت إلى الاستفهام حين أدركك الشك.
ونظيره قول الزَّبَّاء: "عسى الغوير أَبؤْسا"٣، فتكلمت بـ "عسى الغوير " ثم أدركها اليقين فختمت كلامها بحكم ما غلب على ظنها لا بحكم "عسى"؛ لأن "عسى" لا يكون خبرها اسمًا [غير]٤ حدث، فكأنها لما قالت: عسى الغُويَر قالته متوقعة شرًّا تريد الإخبار بفعل مستقبل متوقَّع كما تقتضيه عسى٥، ثم هجم عليها اليقين، فعدلت إلى الإخبار باسم حدث يقتضي جملة ثبوتية محقَّقة، فكأنها قالت: صار الغوير أبؤسا، فابتدأت كلامها على الشك والتوقع، ثم ختمته بما يقتضي اليقين والتحقُّق.
فكذا "أم" إذا قلت: إنها لإبل، ابتدأت كلامك باليقين والجزم، ثم أدركك الشك في أثنائه، فأتيت بأم الدالة على الشك، فهو عكس طريقه "عسى الغوير أبؤسا" ولذلك قدرت بـ "بل" لدلالتها٦ على الإضراب، فإنك أضربت عن الخبر الأول إلى الاستفهام والشك،
(١) "نتائج الفِكْر": (ص / ٢٦٠) بنحوه، بزيادة كبيرة من المؤلف.
(٢) سقطت من (ق).
(٣) مثل ذكره الميداني في "مجمع الأمثال": (٢/ ٣٤١).
(٤) (ق): "عن" والمثبت من "النتائج".
(٥) من قوله: "اسمًا غير ... " إلى هنا ساقط من (ظ ود).
(٦) (ق): "الدلالة ما".
فإنك أخبرت أولًا عما توهمته، ثم أدركَك الشكُّ فأضربتَ عن ذلك الإخبار، وإذا وقع بعد "أم" هذه الاسم المفرد، فلابدَّ من تقدير مبتدأ محذوف وهمزة استفهام، فإذا قلت: إنها لإبل أم شاء؟ كان تقديره: لا، بل أهي شاء؟ وليس الثاني خبرًا ثبوتيًّا كما توهمه بعضهم وهو من أقبح الغلط! والدليل عليه قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾[الطور: ٣٩] وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾[الزخرف: ١٦] وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾[الطور: ٤٣]﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾[الطور: ٣٨]﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾[الصافات: ١٥٦]﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾[الطور: ٣٥] فهذا ونحوه يدلك على أن الكلام بعدها استفهام محض، وأنه لا يُقدّر بـ "بل" وحدها، ولا يُقَدَّر -أيضًا- بالهمزة وحدها؛ إذ لو قُدِّر بالهمزة وحدها لم يكن بينه وبين الأول علقة؛ لأن الأول خبر، و" أم" المقدرة بالهمزة وحدها لا تكون إلا بعد استفهام فتأمله.
هذا شرح كلام النحاة وتقريره في هذا الحرف. والحقُّ أن يُقال: إنها على بابها وأصلها الأول من المعادلة والاستفهام حيث وقعت وإن لم يكن قبلها أداة استفهام في اللفظ، وتقديرها بـ "بل" والهمزة خارجٌ عن أصول اللغة العربية، فإن "أم" للاستفهام و"بل" للإضراب، ويا بعد ما بينهما!! والحروف لا يقوم بعضها مقام بعض على أصح الطريقين، وهي طريقة إمام الصناعة والمحققين من أتباعه، ولو قُدِّر قيام بعضها مقام بعض فهو فيما تقارب معناهما كمعنى "على" و"في" ومعنى "إلى" و"مع". ونظائر ذلك، وأما في مالا جامع بينهما؛ فلا١. ومن هنا كان زعم من زعم أن "لا" قد