بدائع الفوائد

النحاة قال إن "إذ" زائدة هنا، وليس كذلك.

ومن هذا الباب "الواو" المتضمِّنة معنى "رُبَّ"، فإنك تجدها في أول الكلام كثيرًا إشارة منهم إلى تَعْداد المذكور بعدها١ من فخر أو مدح أو غير ذلك. فهذه كلها معان مضمرة في النفس، وهذه الحروف عاطفة عليها، وربما صرحوا بذلك المضمر كقول ابن مسعود: "دَعْ ما في نفسك وإن أفتوك عنه وأفتوك"٢.

ومن هذا الباب حذف كثير من الجوابات في القرآن لدلالة "الواو" عليها لعلم المخاطب أن "الواو" عاطفة، ولا يُعْطف بها إلا على شيء كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٥] وكقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] وهو كثير٣ وهذا الباب واسع في اللغة.

فهذا ما في هذه المسألة، وكان قد وقع لي هذا بعينه أيام٤ المقام بمكة، وكان يجول في نفسي فأضربُ عنه صفحًا؛ لأني لم أره في مباحث القوم، ثم رأيته بعدُ لفاضلين من النحاة؛ أحدهما: حامَ حوله وما وَرَدَ، ولا أعرف اسمه. والثاني: أبو القاسم السهيلي ﵀ فإنه كَشَفَه وصرَّح به٥، وإذا لاحت الحقائق؛ فكن أسعد الناس بها وإن جفاها الأغمار!! والله الموفق للصواب.

  1. (١) كذا بالأصول ونسخ "النتائج" واستظهر محققه أنها: "قبلها".
  2. (٢) ورد بمعناه أحاديث مرفوعة عن جماعة من الصحابة، عن أبي أمامة، ووابصة ابن معبد، والنواس بن سمعان.
  3. (٣) "وهو كثير" ليست في (ظ ود).
  4. (٤) (ظ ود): "أمام".
  5. (٥) في كتابه "نتائج الفِكر"، وقد تقدم العزو إليه.
361

فائدة بديعة١

لا يجوز إضمار حرف العطف، خلافًا للفارسي ومن تبعه، لأن الحروف أدلة على معان في نفس المتكلم، فلو أضمرت لاحتاج المخاطب إلى وحي يُسفر له عما في نفس مُكَلِّمه. وحكم حروف العطف في هذا حكم حروف النفي والتوكيد والتمنِّي والترجي والتمني٢ وغيرهما، اللهم إلا أن حروف الاستفهام قد يسوغ إضمارها في بعض المواطن؛ لأن للمستفهم هيئة تخالف هيئة المخبر، وهذا على ما قلته.

فإن قيل: فكيف تصنعون بقول الشاعر:

كَيْفَ أَصْبَحْتَ كَيْفَ أَمْسَيْتَ مِمَّايُثْبِتُ الوُدَّ فِيْ فُؤادِ الكَرِيْمِ٣

أليس على إضمار حرف العطف، وأصله: كيف أصبحت وكيف أمسيت.

؟.

قيل: ليس كذلك، وليس حرف العطف مرادًا هنا ألبتة، ولو كان مرادًا لانتقض الغرض الذي أراده الشاعر؛ لأنه لم يُرِد انحصار الوُد في هاتين الكلمتين من غير مواظبة عليهما، بل أراد [أن] تكرار هاتين الكلمتين دائمًا يُثبت المودة، ولولا حذف "الواو" لانحصر إثبات الود في هاتين الكلمتين من غير مواظبة الكلام٤ ولا استمرار عليه، ولم يُرِد الشاعرُ ذلك، وإنما أراد أن يجعل أول الكلام ترجمة على سائر الباب، يريد الاستمرار على هذا الكلام والمواظبة عليه، كما تقول:

  1. (١) "نتائج الفكر": (ص/ ٢٦٣).
  2. (٢) (ظ ود): "والنهي والزجر" وهو تحريف.
  3. (٣) لا يعرف قائله، انظره في "الخصائص": (١/ ٢٩٠) لابن جني.
  4. (٤) من قوله: "عليهما، بل ... " إلى هنا ساقط من (د).
362

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي