بدائع الفوائد

فائدة بديعة١

لا يجوز إضمار حرف العطف، خلافًا للفارسي ومن تبعه، لأن الحروف أدلة على معان في نفس المتكلم، فلو أضمرت لاحتاج المخاطب إلى وحي يُسفر له عما في نفس مُكَلِّمه. وحكم حروف العطف في هذا حكم حروف النفي والتوكيد والتمنِّي والترجي والتمني٢ وغيرهما، اللهم إلا أن حروف الاستفهام قد يسوغ إضمارها في بعض المواطن؛ لأن للمستفهم هيئة تخالف هيئة المخبر، وهذا على ما قلته.

فإن قيل: فكيف تصنعون بقول الشاعر:

كَيْفَ أَصْبَحْتَ كَيْفَ أَمْسَيْتَ مِمَّايُثْبِتُ الوُدَّ فِيْ فُؤادِ الكَرِيْمِ٣

أليس على إضمار حرف العطف، وأصله: كيف أصبحت وكيف أمسيت.

؟.

قيل: ليس كذلك، وليس حرف العطف مرادًا هنا ألبتة، ولو كان مرادًا لانتقض الغرض الذي أراده الشاعر؛ لأنه لم يُرِد انحصار الوُد في هاتين الكلمتين من غير مواظبة عليهما، بل أراد [أن] تكرار هاتين الكلمتين دائمًا يُثبت المودة، ولولا حذف "الواو" لانحصر إثبات الود في هاتين الكلمتين من غير مواظبة الكلام٤ ولا استمرار عليه، ولم يُرِد الشاعرُ ذلك، وإنما أراد أن يجعل أول الكلام ترجمة على سائر الباب، يريد الاستمرار على هذا الكلام والمواظبة عليه، كما تقول:

  1. (١) "نتائج الفكر": (ص/ ٢٦٣).
  2. (٢) (ظ ود): "والنهي والزجر" وهو تحريف.
  3. (٣) لا يعرف قائله، انظره في "الخصائص": (١/ ٢٩٠) لابن جني.
  4. (٤) من قوله: "عليهما، بل ... " إلى هنا ساقط من (د).
362

قرأت "ألفًا باءً"، جعلت هذه الحروف ترجمةً لسائر الباب١ وعنوانًا للغرض المقصود. ولو قلتَ: قرأت "ألفًا وباءً"، لأشعرتَ بانقضاء المقروء حيث عطفتَ "الباء" على "الألف" دونَ ما بعدها٢ فكان مفهوم الخطاب أنك لم تقرأ غير هذين الحرفين.

وأحسنُ من هذا أن يقال: دخول الواو هنا يفسد المعنى؛ لأن مراده هنا أن هذا اللفظ وحده يثبت الودّ، وهذا وحده يثبته بحسب اللقاء، فأيهما وجد مقتضيه وواظب عليه أثبت الودَّ ولو أدخل الواو لكان لا يثبت الودُّ إلا باللفظين معًا.

ونظير هذا أن تقول: أطعم فلانًا شيئًا فيقول: ما أطعمه؟ فتقول: أطعمه تمرًا أقطًا زبيبًا لحمًا، لم تُرد جمع ذلك، بل أردت: أطعمه واحدًا من هذه أيها تيسَّر. ومنه الحديث الصحيح المرفوع٣: "تصدق رجلٌ من دِيْنَارِهِ مِنْ دِرْهَمِهِ مِنْ صَاعِ بُرِّهِ"٤، ومنه قول عمر: "صلَّى رجلٌ في إزاء ورداء في سراويلَ ورداء في تبَّان ورداء ... " الحديث٥، يتعين ترك العطف في هذا كله لأنَّ المراد الجمع.

فإن قيل: فما تقولون في قولهم: "اضرِب زيدًا عمرًا خالدًا"، أليس على حذف الواو؟

  1. (١) من قوله: "يريد الاستمرار ... " إلى هنا ساقط من (ظ، ود).
  2. (٢) من قوله: "ولو قلت ... " إلى هنا ساقط من (ق).
  3. (٣) "الصحيح" من (ق)، و"المرفوع" من (ظ ود).
  4. (٤) قطعة من حديث طويل أخرجه مسلم رقم (١٠١٧) وغيره من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁.
  5. (٥) تقدم ص / ١٨٠.
363

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي