بدائع الفوائد

عاقل، فإن أضفته إلى جنس مُعَرَّف باللام، نحو قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ حَسُنَ ذلك؛ لأن اللام للجنس لا للعهد، ولو كانت للعهد لَقَبُحَ كما لو١ قلتَ: خذ من كلِّ الثمرات التي عندك؛ لأنها إذا كانت جملة معَرَّفة معهودة، وأردت معنى الإحاطة فيها، فالأحسن أن تأتىِ بالكلام على أصله، فتؤكد المعرفة بـ "كل"، فتقول: خد من الثمرات التي عندك كلها؛ لأنك لم تضطر إلى٢ إخراجها عن٣ التوكيد كما اضطُرِرْتَ في النكرة حين قلتَ: لقيتُ كلَّ رجل؛ لأن النكرة لا تؤكد، وهي -أيضًا- شائعة في الجنسِ كما تقدَّم.

فإن قيل: فإذا استوى الأمران، كقولك: كُلْ من كل الثمرات، وكُلْ من الثمرات كلِّها، فلم اختص أحدُ النظمين بالقرآن في موضع دون موضع؟.

قيل: هذا لا يلزم؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ فصيح، ولكن٤ لابُدَّ من فائدة في الاختصاص.

أما قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، ف "مِنْ" هاهنا لبيان الجنس لا للتبعيض، والمجرور في موضع المفعول لا في موضع الظرف، إنما يُريد الثمرات بأنفسِها، إلا أنه أخرج منها شيئًا، وأدخل "من" لبيان الجنس كلِّه، ولو قال: أخرجنا به من الثمراتِ كلِّها، لذهب الوهم إلى أن المجرور في موضع ظرف، وأن مفعول ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ فيما بعد، ولم يُتوهَّم ذلك مع تقديم "كل" لعلم

  1. (١) سقطت من (ظ ود).
  2. (٢) (ظ ود) و"النتائج": "عن".
  3. (٣) (ق): "إلى".
  4. (٤) ليست في (ق).
367

المخاطبين١ أن "كلًّا" إذا تقدمت تقتضي الإحاطة بالجنس، وإذا تأخرت -وكانت توكيدًا- اقتضت الإحاطة بالمؤكد خاصة جنسًا شائعًا كان أو معهودًا معروفًا.

وأما قوله تعالى: ﴿كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النحل: ٦٩] ولم يقل: من الثمرات كلها، ففيها الحكمة التي في الآية قبلها، ومزيد فائدة وهو أنه [قد]٢ تقدمها في النظم قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ﴾ [النحل: ٦٧]، فلو قال بعدها: "كلي من الثمرات كلها"، لذهب الوهم إلى٣ أنه يريد الثمرات المذكورة قبل هذا، أعني ﴿ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾؛ لأن [الألف و] اللام إنما تنصرف إلى المعهود، فكان الابتداء بـ "كل" أحصن للمعنى، وأجمع للجنس، وأرفع للبس، وأبدعَ في النظم، فتأمله.

وإذا قُطعت عن الإضافة وأُخبر عنها؛ فحقُّها أن تكون ابتداءً، ويكون خبرها جمعًا، ولابدَّ من مذكورين قبلها؛ لأنها إن لم يُذكر قبلها جملة ولا أُضِيْف إلى جملة٤ بَطل معنى الإحاطة فيها، ولم يُعقل لها معنى. وإنما وجب أن يكون خبرها جمعًا؛ لأنها اسم في معنى الجمع فتقول: "كل ذاهبون" إذا تقدم ذكر قوم؛ لأنك معتمد في المعنى عليهم، وإن كنت مخبرًا عن "كل"، فصارت بمنزلة قولك: الرهط ذاهبون، والنفر منطلقون، لأن الرهط والنفر اسمان مفردان، ولكنهما في معنى الجمع والشاهدُ لما قلناه قوله ﷾:

  1. (١) "لعلم المخاطبين" سقطت من (د).
  2. (٢) من "النتائج"، و(ق): "إذا".
  3. (٣) من نص الآية إلى هنا ساقط من (ق).
  4. (٤) "ولا أضيفت إلى جملة، ساقط من (ق).
368

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي