قبلها ذكر فريقين مختلفين، ذكر مؤمنين وظالمين، فلو قال: "يعملون"، وجمعهم في الإخبار عنهم لبطل معنى الاختلاف، فكان لفظ الإفراد أدل على المراد، كأنه يقول: كل فريق١ فهو يعمل على شاكلته.
وأما قوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾؛ فلأنه ذكر قرونًا وأممًا، وختم ذكرهم بذكر قوم تُبَّع، فلو قال: كلٌ كذبوا. و" كل" إذا أفردت إنما تعتمد٢ على أقرب المذكورين إليها، فكان يذهب الوهم إلى أن الإخبار عن قوم تُبَّع خاصة؛ أنهم كذبوا الرسل، فلما قال: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ﴾ علم أنه يريد كل فريق منهم٣ لأن إفراد الخبر عن "كل" حيث٤ وقع إنما يدل على هذا المعنى كما تقدم. ومثله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾[البقرة: ٢٨٥].
وأما قولنا في "كل" إذا كانت مقطوعة عن الإضافة فحقها أن تكون مبتدأة، فإنما نريد أنها مبتدأة يخبر عنها أو مبتدأة باللفظ منصوبةً بفعل بعدها لا قبلها، أو مجرورة يتعلَّق خافضها بما بعدها نحو: ﴿وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾[النساء: ٩٥]، وقول الشاعر٥:
*بكُلٍّ تَدَاوَيْنا ... *
ويقبح تقديم الفعل العامل فيها إذا كانت مفردة، كقولك: "ضربتُ كُلًّا" و"مررتُ بكلٍّ" وإن لم يقبح: "كلَّا ضربت"، و"بكل مررت"،
(١) (ظ ود): "فهو".
(٢) (ظ ود): "تعمل".
(٣) العبارة في "النتائج": " ... أنه يريد كل قرن منهم كذّب".
(٤) سقطت من (ظ ود).
(٥) هو: عبد الله بن الدمينة، والبيت في "ديوانه": (ص / ٨٢). وتمامه: بكلٍّ تَدَاوَيْنَا فلَمْ يَشْفِ مَا بِنا ... على أَنَّ قُرْبَ الدار خيرٌ مِن البُعْدِ
من أجل أن تقديم العامل عليها يقطعها عن المذكور قبلها في اللفظ؛ لأن العامل اللفظي له صدر الكلام، وإذا قطعتها عما قبلها في اللفظ لم يكن لها شيءٌ تعتمدُ عليه قبلها ولا بعدها، فقَبحَ ذلك.
وأما إذا كان العامل معنويًّا، نحو: "كلّ ذاهبون"، فليس بقاطع لها عما قبلها من المذكورين؛ لأنه لا وجود له في اللفظ، فإذا قلتَ: "ضربتُ زيدًا وعَمرًا وخالدًا "، و"شتمتُ كُلاّ"، و"ضربتُ كُلاّ"، لم يجز ولم يعد بخبر لما قدمناه.
إذا عرفت هذا؛ فقولك: "كلُّ إخوتك ضربت"، سواء رفعت أو نصبت يقتضي وقوع الضرب بكلِّ واحد منهم، وإذا قلت: "كل إخوتك ضربني"، يقتضي -أيضًا- أنَّ كلَّ واحد واحد منهم ضربك. فلو قلت: "كل إخوتك ضربوني، وكل القوم جاؤوني"، احتمل ذلك، واحتمل أن يكونوا اجتمعوا في الضرب والمجئ؛ لأنك أخبرتَ عن جملتهم بخبر واحد واقع عن الكلية١، بخلاف قولك: "كل إخوتك جاءنى"، فإنما هو إخبار عن كل واحد واحد٢ منهم، وأن الإخبار بالمجيء، عم جميعهم، فتأمل على هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾[الإسراء: ٨٤] كيف أفردَ الخبرَ؛ لأنه لم يُرِد اجتماعهم فيه. وقال تعالى: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ فجمع لما أريد الاجتماع في المجيء، وهذا أحسن مما تقدَّم من الفرق، فتأمله.
ولا يرد على هذا قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ