بدائع الفوائد

لم يقم"١، ولهذا يصح مقابلته بالإيجاب الجزئي، نحو٢: قوله ﷺ وقد سُئل: "أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: - "كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ"، فقال ذو اليدين: بلى، قد كان بعض ذلك"٣.

ومن هذا ما أنشده سيبويه٤:

قَدْ أَصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعي .. عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُهُ لم أَصْنَعِ

أنشده برفع "كل" واستقبَحَه لحذف الضمير العائد من الخبر، وغير سيبويه يمنعه مطلقًا وينشدُ البيت منصوبًا، فيقول كلَّه لم أصنع، والصواب: إنشادُه بالرفع محافظةً على النفي العام الذي أراده الشاعر وتمدَّح به عند أم الخيار، ولو كان منصوبًا لم يحصل له مقصوده من التَّمدُّح بأنه لم يفعل ذلك الذنب ولا شيئًا منه، بل يكون المعنى: لم أفعل كلَّ الذنب بل بعضه، وهذا ينافي غَرَضَه. ويشهد لصحة قول سيبويه: قراءة ابن عامر٥ في سورة الحديد: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، فهذا يدلُّ على أن حذف العائد جائز وأنه غير قبيح.

ومن هذا على أحد القولين: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٥٠] أجاز الزجاج أن تكون الجملة ابتدائية وقد حذف العائد من ﴿يَسْتَعْجِلُ﴾، وتقديره: يستعجله منه

  1. (١) كأن الكلام بقية، فلعلَّ هناك سقط.
  2. (٢) "الجزئي" سقطت من (ق)، و"نحو" من (ظ ود).
  3. (٣) أخرجه البخاري رقم (٧١٤)، ومسلم رقم (٥٥٣/ ٩٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
  4. (٤) في "الكتاب": (١/ ٤٤، ٦٩) وهو لأبي النجم العجلي.
  5. (٥) (ظ ود): "ابن عباس" والصواب ما في (ق) فابن عامر وحده قرأ برفع "كل"، انظر: "المبسوط في القراءات العشر": (ص/ ٣٦٢) للأصبهاني.
374

المجرمون، وكما يحذف من الصِّلة والصفة والحال إذا دلَّ عليه دليل، ودعوى قُبح حذفه من الخبر مما لا دليل عليها. وللكلام في تقرير هذه المسألة موضع آخر.

والمقصود: أن إنشادَ البيت بالنصب محافظةً على عدم الحذف إخلالٌ١ شديدٌ بالمعنى. وأما إذا تقدم النفي وقلت: "لم أصنع كله ولم أضرب كلهم"، فكأنك لم تتعرَّض للنفي عن كل فردٍ فردٍ، وإنما نفيت فعل الجميع ولم تنفِ فعل البعض، ألا ترى أن قولك: "لم أصنع الكلَّ" مناقض لقولك: "صنعتُ الكلَّ"، والإيجاب الكلِّي يناقضه السلب الجزئي، ألا ترى إلى قولهم: "لم أُرِد كلَّ هذا" فيما إذا فعل ما يريده وغيره، فتقول: "لم أُرِد كلَّ هذا" ولا يصح أن تقول: "كلُّ هذا لم أرده"، فتأمله، فهذا تقرير هذه المسألة، وقد أغناك عن ذلك التطويل المتعِبْ القليل الفائدة.

فصل٢

واعلم أن "كلًّا "من ألفاظ الغَيبة، فإذا أضفته إلى المخاطبين، جاز لك أن تُعِيدَ الضَّميرَ عليه بلفظ الغَيبة مراعاةً للفظه، وأن تعيده بلفظ الخطاب مراعاةً لمعناه، فتقول: كلُّكم فعلتم، وكلُّكم٣ فَعَلوا.

فإن قلت: "أنتم كلُّكم فعلتم"، أو "أنتم٤ كلُّكم بينكم درهم"، فإن جعلت "أنتم" مبتدأ، و"كلكم" تأكيدًا، قلت: أنتم كلكم فعلتم

  1. (١) في الأصول: "وإخلال".
  2. (٢) (د): "فائدة".
  3. (٣) "فعلتم، وكلكم" ساقط من (د).
  4. (٤) (ظ ود): "أرأيتم".
375

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي