وبينكم درهم، لتطابق المبتدإ، وإن جعلت "كلكم" مبتدأ ثانيًا جاز لك وجهان: أحدهما: أن تقول "فعلوا وبينهم درهم"، مراعاة للفظ كُلُّ، وأن تقول: "فعلتم وبينكم درهم"، حَمْلًا على المعنى؛ لأن "كُلًا" في المعنى للمخاطبين.
فائدة١
اختلف الكوفيون والبصريون في "كلا" و"كلتا"؛ فذهب البصريون إلى أنها اسم مفرد دال على الاثنين، فيجوز عَوْد الضمير إليه باعتبار لفظه وهو الأكثر، ويجوز عوده باعتبار معناه وهو الأقل، وألفها لام الفعل ليست ألف تثنية عندهم.
ولهم حجج؛ منها: أنها في الأحوال الثلاثة مع الظاهر على صورة واحدة، والمثنَّى ليس كذلك، وأما انقلابها ياء مع المضمر٢ فلا يدل على أنها ألف تثنية كألف "على وإلى ولدى". هذا قول الخليل وسيبويه٣ واحتجوا -أيضًا- بقولهم: "كِلاهما ذاهب"، دون "ذاهبان"، وسيبويه لم يحتج بهذه الحجة لما تقدم من أنك إذا أضفت٤ لفظ "كل" أفردت خبره، مع كونه دالًا على الجمع حملًا على المعنى؛ لأن قولك: "كُلُّكُم راع" بمنزلة كل واحد منكم راع، فكذا قولك: كلاكما قائم، أي: كلُّ واحد منكما قائم.
فإن قيل: بل أفرد الخبر عن "كُل وكِلا"؛ لأنهما اسمان مفردان.
(١) "نتائج الفكر": (ص/ ٢٨١).
(٢) (ظ ود): "الضمير".
(٣) انظر: "الكتاب": (٢/ ١٠٤ - ١٠٥).
(٤) (ق): "أضفت كلًا".
قيل: هذا يبطل بتوكيد الجمع والتثنية بهما، وكما لا يُنعت الجمع والمثنى بالواحد، فكذلك لا يؤكد به بطريق الأولى؛ لأن التوكيد تَكْرار للمؤكد بعينه، بخلاف النَّعت فإنه غيره١ بوجه.
والمعول عليه لمن نصر مذهب سيبويه على الحجة الأولى، على ما فيها وعلى معارضتها بتوكيد الاثنين، و"كلا" والمثنى لا يؤكد بالمفرد كما قررناه.
فإن قيل: الجواب عن هذا أن "كلا" اسم للمثنى، فحسن التوكيد به وحصلت المطابقة باعتبار مدلوله، وهو المقصود من الكلام فلا يضر إفراد اللفظ.
قيل: هذا يمكن في الجمع أن يكون لفظه واحدًا ومعناه جمعًا؛ نحو: كل، وأسماء الجموع كرهط وقوم؛ لأن الجموع قد اختلفت صورها أشد اختلاف، فمذكر ومؤنث ومُسَلَّم ومكسر، على اختلاف ضروبه، وما لفظه على لفظ واحِدِه، كما تقدَّم بيانه، فليس ببدع أن يكون صورة اللفظ مفردًا ومعناه جمعًا، وأما التثنية فلم تختلف قط، بل لزمت طريقة واحدة أين وقعت، فبعيد جدًّا بل ممتنع أن يكون منها اسم مفرد معناه مثنى، وليس معكم إلا القياس على الجمع.
وقد وضحَ الفرقُ بينهما، فتعيَّن أن تكون "كلا" لفظًا مثنى ينقلب ألفه ياء مع المضمر دون المظهر؛ لأنك إذا أضفته إلى ظاهر استغنيت عن قلب ألفه ياء بانقلابها في المضاف إليه، لتنزله منزلة الجزئية لدلالة اللفظ على مدلول؛ واحد لأن "كلا" هو نفس ما يضاف إليه، بخلاف قولك: "ثوبا الرجلين، وفرسا الزيدين"، فلو قلت: "مررت