لم يكن بُدٌّ من إضافته إلى ضمير المؤكد حتى يُعْلم أنه توكيد، وليس كذلك "أجمع"؛ لأنه لا يجيء إلا تابعًا لما قبله، فاكتفى بالاسم الظاهر المؤكد١ واستغنى به عن التصريح بضميره، كما فعل بـ "سحر" حين أردته ليوم بعينه، فإنه عُرِّف بمعنى الإضافة، وأستغني عن التصريح بالمضاف إليه اتكالًا على ذكر اليوم قبله.
فإذا قيل: وَلمَ لَمْ تُقَدَّم "أجمع" كما قُدِّم "كل"؟.
فالجواب٢: أن فيه معنى الصفة؛ لأنه مشتق من "جمعت" فلم يقع إلَّا تابعا٣، بخلاف "كل".
ومن أحكامه أنه، يُثنَّى و، يُجمع على لفظه؛ أما امتناع تثنيته، فلأنه وضع لتأكيد جملة تتبعض٤، فلو ثنيته لم يكن في قولك: "أجمعان" توكيد لمعنى التثنية، كما في "كليهما "؛ لأن التوكيد تكرار لمعنى المؤكَّد٥، إذا قلت: درهمان، أفدت أنهما اثنان، فإذا قلت: كلاهما، كأنك قلت: اثناهما، ولا يستقيم ذلك في: "أجمعان"؛ لأنه بمنزلة من يقول: أَجْمع وأَجْمع، كالزيدان بمنزلة: زيد وزيد، فلم يفدك "أجمعان" تكرار معنى التثنية، وإنما أفادك تثنية واحدة بخلاف "كلاهما"؛ فإنه ليس بمنزلة قولك: كل وكل، وكذلك "اثناهما" المستغنى عنه بكليهما لا يقال فيهما: اثن واثن، فإنما هي تثنية لا تنحلُّ ولا تنفرد، فلم يصلح لتأكيد معنى التثنية غيرها، فلا
(١) من قوله: "حتى يعلم ... " إلى هنا ساقط من (ق).
(٢) (ظ): "قيل: الجواب"، (د): "ولكل جواب".
(٣) (ظ ود): "فلم يكن يقع تابعًا"!
(٤) "النتائج": "لتوكيد الاسم المفرد الذي يتبعَّض"، وسقطت "يتبعض" من (ظ ود).
(٥) (ظ ود): "المعنى المذكور".
ينبغي أن يؤكد معنى التثنية والجمع إلا بما لا واحد له من لفظه، لئلَاّ يكون بمنزلة الأسماء المفردة المعطوف بعضها على بعض بالواو، وهذه عِلَّة امتناع الجمع فيه؛ لأنك لو جمعته كان جمعًا لواحد من لفظه، ولا يؤكِّد معنى الجمع إلا بجمع لا ينحل إلى الواحد.
فإن قيل: هذا ينتقض بأجمعين وأكتعين، فإن واحِدَه أجمع وأكتع؟
قيل: سيأتي جوابه، وإن شئت قلت: إن أجمع في معنى "كل"، و"كل" لا يُثنى ولا يجمع، إنما يُثَنَّى ويجمع الضمير الذي يضاف إليه "كل".
وأما قولهم في تأنيثه: جمعاء؛ فلأنه أقرب إلى باب "أحمر" و"حمراء" من باب "أفضل" و"فُضْلى"، فلذلك لم يقولوا في تأنيثه: "جُمْعى١ " كـ "كُبْرى"، ودليل ذلك أنه لا يدخله الألف واللام، ولا يُضاف صريحًا، فكان أقرب إلى باب "أفعل" و" فعلاء" وإن خالفه في غير هذا.
وأما "أجمعون وأكتعون" فليس بجمع لـ "أجمع وأكتع"، ولا واحد له من لفظه، وإنما هو لفظ وضع لتأكيد الجمع بوزن: ياسمين، وبمنزلة: "أبَينون" تصغير "الأبناء" فإنه جمع مُسَلّم ولا [واحد]٢ له من لفظه٣. والدليل على ذلك: أنه لو كان واحد "أجمعين" أجمع، لما قالوا في المؤنث جُمَع، لأن "فُعَل" -بفتح العين- لا يكون واحده
(١) من قوله: "فلأنه أقرب ... " إلى هنا ساقطة من (د).
(٢) (ق): "حد"، والتصويب من "النتائج".
(٣) من قوله: "وإنما هو لفظ ... " إلى هنا ساقط من (ظ ود).