بدائع الفوائد

فعلاء. و"جمعاء" التي هي مؤنث أجمع لو جُمِعَت لقيل: جمعاوات، أو جُمْع -بوزن حُمْر- وأما فُعَل بوزن كٌبَر فجمع لفُعْلى١.

وإنما جاء "أجمعون" على بناء "أكرمون وأرذلون"؛ لأن فيه طرفًا من معنى التفضيل كما في: "الأكرمين والأرذلين"، وذلك أن الجموع تختلف مقاديرها، فإن كَثُر العدد احتج إلى كثرة التوكيد، حرصًا على التحقيق ورفعًا للمجاز، فإذا قلت: جاء القوم كلُّهم، وكان العدد كثيرًا، تُوُهِّم أنه قد شذ منهم البعض، فاحتيج إلى توكيد أبلغ من الأول، فقالوا: أجمعون أكتعون، فمن حيث كان أبلغ من التوكيد الذي قبله، دخله معنى التفضيل، ومن حيث دخله معنى التفضيل٢ جُمِع جَمْع السلامة، كما يجمع "أفعل" الذي فيه ذلك المعنى جمع السلامة كأفضلون، ويجمع مؤنثه على "فُعَل" كما يجمع مؤنث ما فيه٣ من التفضيل.

وأما "أجمع" الذي هو توكيد الاسم الواحد فليس فيه من معنى التفضيل شيء، فكان كباب "أَحْمر"، ولذلك استغنى أن يقال: "كلاهما أجمعان"، كما يقال: "كُلُّهم أجمعون "؛ لأن التثنية أدنى من أن يُحْتاج في٤ توكيدها إلى هذا المعنى، فثبت أن "أجمعون" لا واحد له من لفظه؛ لأنه توكيد لجمع من يعقل، وأنت لا تقول فيمن يعقل: جاءني زيد أجمع٥، فكيف يكون: "جاءني الزيدون

  1. (١) الأصول: "الفعل" والتصويب من "النتائج".
  2. (٢) "ومن حيث دخله معنى التفضيل" ساقط من (ق).
  3. (٣) (ظ ود): "كما يجمع ما فيه من التفضيل".
  4. (٤) (ظ ود): "إلى".
  5. (٥) (ظ ود) من قوله: "فثبت أن ... " إلى هنا ساقط من (ق).
383

أجمعون" جمعًا له، وهو غير مستعمل في الإفراد؟.

وسرُّ هذا ما تقدم وهو: أنهم لا يؤكدون مع الجمع والتثنية إلا بلفظ لا واحد له، ليكون توكيدًا على الحقيقة؛ لأن كلا جمع ينحل١ لفظه إلى الواحد فهو عارض في معنى الجمع، فكيف يؤكد به معنى الجمع، والتوكيد تحقيق وتثبيت ورفع للبس والإبهام، فوجب أن يكون مما يثبت لفظًا ومعنى.

وأما حذف التنوين من "جُمَع" فكحذفه من "سَحَر"؛ لأنه مضاف في المعنى.

فإن قيل: ونون الجمع محذوفةٌ في الإضافة أيضًا فَهَلَّا حُذِفت من أجمعين؛ لأنه مضاف في المعنى؟.

قيل: الإضافة المعنوية لا تَقْوى على٢ حذف النون المتحركة التي هي كالعِوَض من الحركة والتنوين، ألا ترى أن نون الجمع تثبت مع الألف واللام وفي الوقف، والتنوينُ بخلافِ ذلك فقويت الإضافة المعنوية على حذفه تقوَ على حذف النون إلا الإضافةُ اللفظية.

فإن قيل: ولم كانت الإضافة اللفظية أقوى من المعنوية، والعامل اللفظي أقوى من المعنوي؟

قيل: اللفظي لا يكون إلا متضمِّنًا لمعناه، فإذا اجتمعا معًا كان أقوى من المعنى المفرد عن اللفظ فوجب أن تكون أضعف، وهذا ظاهرٌ لمن عدل وأنصف.

  1. (١) (ق): "على"!
  2. (٢) سقطت من (ق).
384

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي