بدائع الفوائد

ثم نعود إلى كلامه قال: "وكذلك لا يُضاف إليه -سبحانه- من آلات الإدراك الأُذن ونحوها؛ لأنها في أصل الوضع عبارة عن الجارحة لا عن الصفة التي هي محلها١، فلم ينقل لفظها إلى الصفة، أعني: السمع، مجازًا ولا حقيقةً إلا أشياء وردت على جهة المثل مما يُعْرف بأدنى نظر أنها أمثال مضروبة، نحو: "الحَجَرُ الأَسْوَد يَمِينُ اللهِ في الأَرْضِ"٢. و"مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهُوَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمن"٣ مما عرفت العربُ المرادَ به بأَوَّلِ وَهْلة".

قال: "وأما اليَدُ فهي عندي في أصل الوضع كالمصدر، عبارة عن صفةٍ لموصوف" قال:

يَدَيتُ عَلى ابنِ حَصْحاص٤ بن عمروبأسفل ذِي الجِذَاة يَدَ الكريمِ٥

فيديتُ: فعل مأخوذ من مصدر لا محالة، والمصدر صفة لموصوف،

  1. (١) (ق): "عليها "، و"النتائج": "آلة لها".
  2. (٢) أخرجه ابن عدي في "الكامل": (١/ ٣٤٢)، والخطيب في "تاريخه": (٦/ ٣٢٨) من حديث جابر ﵁، وفي سنده إسحاق بِشْر الكاهلي، وهو ممن يضع الحديث.
    وأخرجه الأزرقي في "تاريخ مكة ": (١/ ٣٢٣ - ٣٢٤)، موقوفًا على ابن عباس بلفظ: "الركن يمين الله في الأرض"، ورجاله ثقات. وانظر: "كشف الخفاء": (١/ ٤١٧ - ٤١٨)، و"الضعيفة" رقم (٢٢٣).
  3. (٣) أخرجه الترمذي رقم (٢١٤٠)، وابن ماجه رقم (٣٨٣٤)، من حديث أنسٍ ﵁ وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح" (تحفة الأحوذي ٦/ ٣٥٠) وفي نسخة: "حديث حسن" وله شواهد عن جماعة من الصحابة.
  4. (٤) كذا بالأصول ومخطوطات "النتائج"، وفي "اللسان": (١٥/ ٤٢١): "حَسْحاس ابن وهب".
  5. (٥) البيت من مقطوعة في حماسة أبي تمام: (١/ ١١١)، والنقائض: (٢/ ٦٦٧)، والرواية: "ابن حسحاس بن وهب". والبيت لمعقل بن عامر الحضرمي.
396

ولذلك مَدَح سبحانه بالأيدي مقرونة مع الأبصار في قوله تعالى: ﴿أُولِي الأَيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] ولم يمدحهم بالجوارح؛ لأن المدح لا يتعلَّق إلا بالصفات لا بالجواهر".

قلت: المرادُ بالأيدي والأبصار هنا القوة في أمر الله والبَصَر بدينه، فأراد أنهم من أهل القُوى في أمره والبصائر في دينه، فليست من يَدَيتُ إليه يدًا١، فتأمله.

قال٢: وإذا ثبت هذا فصحَّ قول أبي الحسن الأشعري٣: إن اليد من قوله: "خلق آدم بيده"٤، وقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] صفة ورد بها الشرع، ولم يقل: إنها في معنى القدرة كما قال المتأخرون من أصحابه، ولا في معنى النعمة، ولا قَطَع بشيءٍ من التأويلات تحرُّزًا منه عن مخالفة السلف، وقَطَع بأنها صفةٌ تحرُّزًا عن مذهب المشبِّهةِ.

فإن قيل: وكيف خوطبوا بما لا يَفْهمون ولا يستعملون، إذ اليد بمعنى الصفة لا يفهم معناه؟.

قلنا: ليس الأمر كذلك، بل كان معناها مفهوما عند القوم الذين نزل القرآن بلغتهم، ولذلك لم يستفت واحد من المؤمنين عن معناها، ولا خاف على نفسه تَوَهَّم التشبيه، ولا احتاج إلى شرح وتنبيه.

  1. (١) ليست في (ق).
  2. (٢) أي: السهيلي في "النتائج": (ص/ ٢٩٣).
  3. (٣) في"الإبانة": (ص/ ١٠٦).
  4. (٤) قطعة من حديث أخرجه أحمد: (١/ ٤٤ - ٤٥)، وأبو داود رقم (٤٧٠٣)، والترمذي رقم (٣٠٧٥) من حديث عمر بن الخطاب ﵁ وحسَّنه الترمذي، وليس فيه قوله: "بيده".
397

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي