وكذلك الكفار لو كانت [اليد] عندهم لا تُعْقَل إلا في الجارحة لتعلقوا بها في دعوى التناقض، واحتجوا بها على الرسول، ولقالوا: زعمتَ أنَّ الله تعالى ليس كمثله شيء ثم تخبر أن له يدًا كأيدينا، وعينًا كأعينا؟! ولما لم يُنْقل ذلك عن مؤمن ولا كافر عُلِمَ أن الأمر كان فيها عندهم جليًّا لا خفيًّا، وأنها صفة سُمِّيت الجارحة بها مجازًا، ثم استمرَّ المجازُ فيها حتى نُسِيت الحقيقة، ورُبَّ مجاز كَثُر واستُعْمِل حتى نُسِي أصلُه وتُرِكت حقيقته.
والذي يلوح في معنى هذه الصفة أنها قريب من معنى القدرة، إلا أنها أخص منها معنى، والقدرة أعم، كالمحبة مع الإرادة والمشيئة، فكل شيءٍ أحبه الله فقد أراده، وليس كلُّ شيءٍ أراده أحبه، وكذلك كلُّ شيء حادث فهو واقع بالقدرة، وليس كل واقع بالقدرة واقعًا باليد، فاليد أخص من معنى١ القدرة، ولذلك كان فيها تشريف لآدم.
قلت: أما قوله: "ليس كلُّ شيء أراده فقد أحبه"، فهذا صحيح، وهو آخر قولي أبي الحسن الأشعري٢، وقول المحققين من أصحابه، وهذا الذي يدل عليه الكتاب والسنة والمعقول كما هو مقرر في موضعه.
وأما قوله: "كلُّ شيءٍ أحبَّه فقد أرادَه"، فإن كان المراد أنه أراده بمعنى رضيه وأراده دينًا فحقٌّ، وإن كان المراد أنه أراده كونًا فغير لازم، فإنه سبحانه يحب طاعةَ عباده كلهم ولم يردها، ويحب التوبة من كل عاص ولم يُرِدْه، ويحب إيمان كل كافر ولم يرد٣ ذلك كله تكوينًا، إذ لو أراده لوقع، فالمحبة والإرادة غير متلازمين، فإنه يريد
(١) في "النتائج": "أخص معنًى من".
(٢) (ظ ود): "أحد قولي الأشعري".
(٣) "يرده، ويحب إيمان كل كافر، ولم" سقطت من (ظ ود).
كونًا ما لا يحبه، ويحب ويرضى بأشياء لا يريد تكوينها، ولو أرادها لوقعت، وهذا مقرَّر في غير هذا الموضع.
قال١: ومن فوائد هذه المسألة أن يسئل عن المعنى الذي لأجله قال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾[طه: ٣٩] بحرف "على"، وقال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾[القمر: ١٤] بـ "الباء"، ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾[هود: ٣٧] وما الفرق؟
فالفرق: أنَّ الآية الأولى وردت في إظهار أمر كان خفيًّا وإبداء ما كان مكتومًا؛ فإن الأطفال إذ ذاك كانوا يُغْذَون ويصنعون سرًّا، فلما أراد أن يُصنع موسى ويُغْذَى ويُربَّى على حال أمنٍ وظهور [أمر]٢، لا تحت خوف واستسرار، دخلت "على" في اللفظ تنبيهًا على المعنى؛ لأنها تعطي معنى٣ الاستعلاء، والاستعلاء ظهور وإبداء، فكأنه يقول سبحانه: "ولتصنع على أمن لا تحت خوف" وذكر العين لتضمنها معنى الرعاية والكلاءة.
وأما قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾٤[القمر: ١٤] فإنه إنما يريد: برعاية منا وحفظ، ولا يريد إبداء شيء ولا إظهاره بعد كتم، فلم يحتج في الكلام إلى معنى "على" بخلاف ما تقدم".
هذا كلامُه، ولم يتعرض ﵀ لوجه الإفراد هناك والجمع هنا، وهو من ألطف معاني الآية؛ والفرق بينهما يظهر من الاختصاص الذي خصَّ به موسى في قوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾[طه: ٤١]
(١) أي: السهيلي في "النتائج": (ص/ ٢٩٥).
(٢) في النسخ: "أمن" والتصويب من "النتائج".
(٣) ليست في (ظ ود).
(٤) في (ظ ود) زيادة الآية: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾[هود: ٣٧].