فقد بان غلطُ من جعل هذه اللفظة عبارة عن نفس ما أضيفت إليه"١.
وهذا من كلامه من المرَقِّصات، فإنه أحسن فيه ما شاء. وأصل هذه اللفظة هو تأنيث "ذو" بمعنى صاحب، فذات صاحبة كذا في الأصل، ولهذا لا يقال: ذات الشيء، إلا لما له صفاتٌ ونُعوت تُضَاف إليه، فكأنه يقول: صاحبة هذه الصفات والنعوت ولهذا أنكر جماعة من النحاة منهم ابن بَرْهان وغيره٢ على الأصوليين قولهم: الذات، وقالوا: لا مدخل للألف واللام هنا، كما لا يقال: الذو، في "ذو"، وهذا إنكار صحيح، والاعتذار عنهم: أن لفظة الذات في اصطلاحهم قد صارت عبارة عن نفس الشيء وحقيقته وعينه، فلما استعملوها٣ استعمال النفس والحقيقة عرَّفوها باللام وجرَّدوها، ومن هنا غلَّطَهم السهيليُّ، فإن هذا الاستعمال والتجريد أمر اصطلاحي لا لغوي، فإن العرب لا تكاد تقول: ذات٤ الشيء لعينه ونفسه، وإنما يقولون ذلك لما هو منسوب إليه ومن جهته،
(١) هنا انتهى النقل من "النتائج" وحدذ المصنِّف سطرين من آخره؛ لما فيها من عقيدة باطلة، وهذا من تصفية المؤلف لكلام السُّهيلي الذي أشرنا إليه في المقدمة.
(٢) "منهم ابن برهان وغيره" ليست في (ظ ود)، وتحرَّفت "ابن برهان" في "المنيرية" إلى: "هان"!. وابن بَرهان -بفتح الباء- هو: عبد الواحد بن علي أبو القاسم الأسدي العُكبَري النحوي ت (٤٥٦)، انظر: "بغية الوعاة": (٢/ ١٢٠ - ١٢١).
(٣) (ق): "فاستعملوها".
(٤) تحرفت في (ظ ود) إلى: "رأيت".
وهذا كجنب الشيء إذا قالوا: "هذا في جنب الله"، لا يريدون إلا فيما يُنسَب إليه من سبيله ومرضاته وطاعته، لا يريدون غير هذا ألبتَّةَ.
فلما اصطلح المتكلمون على إطلاق الذات على النفس والحقيقة، ظنَّ من ظن أنَّ هذا هو المراد من قوله: "ثَلاثُ كَذَباتٍ في ذاتِ اللِه". وقوله:
*وذلك في ذات الإله *
فغلط واستحقَّ التغليط، بل الذات هنا كالجنب في قوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾[الزمر: ٥٦] ألا ترى أنه لا يحْسُن أن يقال هاهنا: "فرطت في نفسِ اللهِ وحقيقته"، ويحسن أن يقال: "فرط في ذات الله"، كما يقال: فعل كذا في ذات الله، وقتل في ذات الله١، وصبر في ذات الله. فتأمل ذلك فإنه من المباحث العزيزة الغريبة٢، التي يُثنى على مثلها الخناصر، والله الموفق المعين٣.
فائدة٤
ما الفائدة في إبدال النكرة من المعرفة وتبيينها بها، فإن كانت الفائدةُ في النكرة فَلِمَ ذُكِرَت المعرفة، وإن كانت في المعرفة فما بال ذكر النكرة؟.
(١) من قوله: "ويحسن أن يقال ... " إلى هنا تكرر في (ظ ود).