والقول الثاني: أن "شيئًا" هنا مفعول المصدر الذي هو "الرزق" وتقديره: لا يملكون أن يرزقوا شيئًا، وهذا قول الأكثرين؛ إلا أنه يرد عليهم أن الرزق هنا اسم لا مصدر؛ لأنه بوزن الذَّبح والطَّحن للمذبوح والمطحون، ولو أُرِيْد المصدر لجاء بالفتح، نحو قول الشاعر١ يخاطب عمر بن عبد العزيز:
واْقْصِدْ إلى الخيرِ ولا تَوَقَّهْوارْزُقْ عِيالَ المسلمينَ رَزْقَهْ
وقد يجاب عن هذا بأن الرزق من المصادر التي جاءت على "فِعْل" بكسر أوائلها، كالفِسْق ويُطلق على المصدر والاسم بلفظ واحد، كالنِّسخ للمصدر والمنسوخ وبابه وهذا أحسن. والبيت لا نسلِّم أن راءه مفتوحة وإنما هي مكسورة، وهذا اللائق بحال عُمَر بن عبد العزيز والشاعر، فإنه طلبَ منه أن يرزق عيالَ المسلمين رِزْقَ الله الذي هو المال المرزوق، لا أنه يرزقهم كرزق الله الذي هو المصدر، هذا مما لا يخاطب به أحد ولا يقصده عاقل، والله أعلم.
✽ ✽ ✽
(١) هو: عويف القوافي. والبيت من قصيدة يذكر بها عمر بن عبد العزيز ﵀ انظر: "الكامل": (٢/ ٦٥٩) للمبرد، و"الأغاني": (١٩/ ٢٢٤).
أحدها: ما فائدة البدل في الدعاء، والداعي مخاطب لمن لا يحتاج إلى البيان، والبدلُ يُقْصَد به بيان الاسم الأول؟
الثانية: ما فائدةُ تعريف: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ باللام، وهلَّا أخبر عنه بمجرد اللفظ دونها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[الشورى: ٥٢].
الثالثة: ما معنى ﴿الصِّرَاطَ﴾؟ ومن أي شيءٍ٢ اشتقاقه؟ ولم جاء على وزن فِعَالٍ؟ ولم ذُكر في أكثر المواضع في القرآن بهذا اللفظ، وفي٣ سورة الأحقاف ذُكِر بلفظ الطريق فقال: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؟ [الأحقاف: ٣٠].
الرابعة: ما الحكمة في إضافته إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾[الفاتحة: ٧] بهذا اللفظ، ولم يذكرهم بخصوصهم فيقول: "صراط النبيين والصديقين" فَلِمَ عَدَل إلى لفظِ المبهم دون المفسر؟.
(١) المسائل رقم (١ - ٥) و(١٢، ١٣، ١٥، ١٦) من: "نتائج الفكر": (ص/ ٣٠٠ - ٣٠٦) مع إضافات وتعقُّبات مهمة لا يُستغنى عنها.