آيةَ الفتح تضمنت الأصلين١: الهدى والنصر، وأنه لا يصح فيها غير ذلك ألبتةَ.
وأما جوابه الثاني: عن قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ٥٢﴾[الشورى: ٥٢] بأنه لو عُرِّف لجعلَ للكفر والضلال حظًّا من الاستقامة"، فما أدري من أينَ جاءَ له هذا الفهم، مع ذهنه الثاقب وفهمه البديع ﵀!!. وما هي إلا كبوة جواد ونَبْوة صارم!! أفترى قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ ١١٧ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ١١٨﴾[الصافات: ١١٧ - ١١٨] يُفْهَم منه أن لغيره حظًّا من الاستقامة!؟ وما ثَمَّ غيره إلا طرق الضلال، وإنما الصراط المستقيم واحد، وهو ما هدى الله إليه أنبياءه ورسله أجمعين، وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم. وكذلك تعريفه في سورة الفاتحة هل يقال: إنه يفهم منه أن لغيره. حظًّا من الاستقامة!؟ بل يقال تعريفه ينفي أن يكون لغيره حظًّا من الاستقامة، فإن التعريف في قوَّة الحصر، فكأنه قيل: الذي لا صراطَ مستقيم سواه، وفهم هذا الاختصاص من اللفظ أقوى من فهم المشاركة، فتأمله هنا وفي نظائره.
فصل
وأما المسألة الثالثة: وهى اشتقاق الصراط؛ فالمشهور أنه من "صرطتُ الشيءَ أصْرطه" إذا بلعته بلعًا سهلًا، فسمى الطريق: صراطًا؛ لأنه يسترط المارَّة فيه. والصراط ما جمعَ خمسةَ أوصاف: أن يكون طريقًا مستقيمًا، سهلًا، مسلوكًا، واسعًا، موصلًا إلى المقصود، فلا تسمي العربُ الطريقَ المعوج: صراطًا، ولا الصعب المشق، ولا
(١) ليست فى (ظ ود).
المسدود غير الموصل، ومن تأمل موارد الصراط في لسانهم واستعمالهم تبين له ذلك قال [جرير]١:
أَميرُ المؤمنينَ على صِرَاطٍإذا اعْوَجَّ الموارِدُ مُسْتَقِيمِ
وبنوا الصراط على زِنَة "فِعَال"؛ لأنه مشتمل على سالكه اشتمالَ الحَلْق على الشيء المسروط، وهذا الوزن كثير في المشتملات على الأشياء، كاللِّحاف والخِمار والرِّداء والغِطاء والفِراش والكِتاب، إلى سائر الباب، وهذا الوزن٢ يأتي لثلاثة معان٣ أحدها: المصدر، كالقِتال والضِّراب، والثاني: المفعول، نحو: الكِتاب والبِناء والغِراسَ٤، والثالث: أن يُقْصَد به قصد الآلة التي يحصل بها الفعل ويقع بها، كالخِمار والغِطاء والسِّداد، لما يُخمَّر به ويُغطَّى ويُسدّ به، فهذا آلة محضة، والمفعول هو الشيء المخمَّر والمغطَّى والمسدود، ومن هذا القسم الثالث "إله" بمعنى مألوه.
وأما ذكره له بلفظ الطريق في سورة الأحقاف خاصة، فهذا حكاية الله تعالى لكلام مؤمني الجن أنهم قالوا لقومهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ٣٠﴾[الأحقاف: ٣٠] وتعبيرهم عنه هاهنا بالطريق فيه نُكتة بديعة، وهي: أنهم قَدَّموا قبله ذكر موسى، وأن الكتاب الذي سمعوه
(١) من "المنيرية"، انظر "ديوانه": (ص/ ٤١١)، من قصيدة يمدح بها هشام بن عبد الملك.
(٢) من قوله: "كثير في ... " إلى هنا ساقط من (ظ ود).