لما فيه من الإعلام١ باستحقاق ما عُلِّق عليها من الحكم بها، وهذا كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾[البقرة: ٢٧٤]﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ٣٣﴾[الزمر: ٣٣]﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾[الأحقاف: ١٣] وهذا الباب مُطَّرد؛ فالإتيان بالاسم موصولًا أولى على هذا المعنى من ذِكْر الاسم الخاص.
الفائدة الثانية: فيه إشارة إلى٢ نفي التقليد عن القلب واستشعار العلم بأن من هُدِيَ إلى هذا الصراط فقد أنعم عليه، فالسائل مستشعر بسؤاله الهداية إليه، [و] طلب الإنعام من الله عليه، والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الأول يتضمن الإخبار بأن أهل النعمة هم أهل الهداية إليه، والثاني يتضمن٣ الطلب والإرادة أن تكون منهم.
الفائدة الثالثة: أنَّ الآية عامة في جميع طبقات المُنْعَم عليهم، ولو أتى باسم خاص لكان لم يكن فيه سؤال الهداية إلى صراطِ جميع المُنْعَم عليهم، فكان في الإتيان بالاسم العام من الفائدة: أنَّ المسؤولَ الهدى إلى جميع تفاصيل الطريق التي سلكها كلُّ من أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهذا أجلُّ مطلوبٍ وأعظمُ مسؤول، ولو عَرَف الداعي قدرَ هذا السؤال لجعله هِجِّيْرَاه وقَرَنَه بأنفاسه، فإنه لم يدعِ شيئًا من خير الدنيا والآخرة إلا تضمَّنه، ولما كان بهذه المثابة فَرَضه الله على جميع عباده فرضًا متكرِّرًا في اليوم
(١) (ظ ود): "الإنعام".
(٢) (ظ ود): "إلى أن".
(٣) من قوله: "الإخبار ... " ساقط من (ظ ود).
والليلة لا يقوم غيره مقامه، ومن ثَمَّ١ يعلم تعين الفاتحة في الصلاة، وأنها ليس منها عوض يقوم مقامها٢.
فصل
وأما المسألة الخامسة: وهي أنه قال: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾[الفاتحة: ٧]، ولم يقل: المُنْعَم عليهم، كما قال: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ فجوابها وجواب المسألة السادسة واحد، وفيه فوائد عديدة:
أحدها: أن هذا جاء على الطريقة المعهودة في القرآن، وهي: أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله ﷾، فيَذْكر فاعلَها منسوبةً إليه ولا يَبْني الفعلَ معها للمفعول، فإذا جاء إلى أفعال العدل والجزاء والعقوبة: حَذَف الفاعل وبَنَى الفعلَ معها للمفعول = أدبًا في الخطاب، وإضافةً إلى الله أشرف قِسْمَي أفعاله، فمنه هذه الآية؛ فإنه لما ذكر النعمةَ فأضافها إليه ولم يحذف فاعلها، ولما ذكر الغضبَ حذفَ الفاعل وبَنَى الفعل للمفعول، فقال: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وقال في الإحسان: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
ونظيره قول إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ٧٨ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ٧٩ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ٨٠﴾[الشعراء: ٧٨ - ٨٠] فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله، ولما جاء إلى ذكر المرض، قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ ولم يقل: أمرضني، وقال: ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ ٨٠﴾، ومنه قوله تعالى حكايةً عن مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ