الثالث: الأمور التي هُدِيَ إليها تفصيلًا من جميع وجوهها، فهو محتاج إلى الاستمرار على الهداية والدوام عليها.
فهذه ستة أصول تتعلق بما يُعْزم على فعله وتركه، ويتعلق بالماضي [أمر سابع]٢، وهو: أمورٌ وقعت منه على غير٣ جهة الاستقامة، فهو محتاج إلى تداركها بالتوبة منها وتبديلها بغيرها، وإذا كان كذلك فإنما يقال: كيف يَسألُ الهدايةَ وهى موجودة له، ثم يُجَاب عن ذلك: بأن المراد التثبيت والدوام عليها. إذا كانت هذه المراتب الست حاصلة له بالفعل، فحينئذ يكون سؤاله الهداية سؤال٤ تثبيت ودوام، فأما إذا كان ما يجهله أضعاف ما يعلمه، ومالا يريده من رشده أكثر مما يريده، ولا سبيلَ له إلى فعله: إلا بأن يخلق الله فاعِليته، فالمسؤول هو أصلُ الهداية على الدوام تعليمًا وتوفيقًا، وخَلْقًا للإرادة فيه، وإقدارًا له وخلقًا لفاعليته وتثبيتًا. له على ذلك، فعُلِمَ أنه ليس أعظم ضرورةً منه إلى سؤال الهداية: أصلها وتفصيلها، علمًا وعملًا، والتثبيت عليها، والدوام إلى الممات.
وسِرُّ ذلك: أن العبدَ مفتَقِرٌ إلى الهداية في كلِّ نَفَسٍ، في جميع ما يأتيه ويذره، أصلًا وتفصيلًا وتثبيتًا، ومفتقر إلى مزيد العلم بالهدى على الدوام، فليس له أنفع ولا هُوَ إلى شيءٍ أحوج من سؤال الهداية، فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، وأن يثبِّت قلوبَنا على دينه.
(١) "لتكمل له هدايتها" ليست في (ق).
(٢) (ق وظ): "أمرًا شائعًا" و(د): "أمرًا سابعًا".
(٣) سقطت من (ق).
(٤) ليست في (ق).
فصل
وأما المسألة التاسعة عشرة: وهي الإتيان بالضمير في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ ضمير جمع؛ فقد قال بعض الناس في جوابه: إن كلَّ عضو من أعضاء العبد، وكلَّ حاسَّةٍ ظاهرة وباطنة مفتقِرَة إلى هداية خاصة به، فأتى بصيغة الجمع تنزيلًا لكلِّ عضو من أعضائه منزلة المسترشد الطالب لهداه.
وعرضتُ هذا الجواب على شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحَه- فاستركَّه واستضْعَفَه جدًّا ولم يرضه١، وهو كما قال، فإن الإنسان اسم للجملة لا لكلِّ جزءٍ من أجزائه وعضو من أعضائه، والقائل إذا قال: "اغفر لي وارحمني واجبرني وأصلحني واهدني"، سائلٌ من الله ما يحصل لجملته ظاهِرِه وباطِنِه، فلا يحتاج أن يستشعر لكل عضو مسألةً تخصه يُفْرِد لها لفظة.
فالصواب أن يقال: هذا مطابق لقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٥﴾ والإتيان بضمير الجمع في الموضعين أحسن وأفخم، فإن المقام مقام عبودية وافتقار إلى الرب -تعالى- وإقرار بالفاقة إلى عبودية واستعانته وهدايته، فأتى فيه بصيغة ضمير الجمع، أي: نحن معاشر عبيدك مُقرون لك بالعبودية، وهذا كما يقول العبد للملك المعظَّم شأنه: "نحن عبيدك ومماليكك وتحت طاعتك ولا نخالف أمرك"، فيكون هذا أحسن وأعظم موقعًا عند الملك من أن يقول: "أنا عبدك ومملوكك"، ولهذا لو قال: "أنا وحدي مملوكك"، استدعى مَقْته، فإذا قال: "أنا وكل من في البلد