فهو داخل في هذين الأصلين، ونُكْتَةُ ذلك وعَقْدُه: أن تحبه بقلبك كلِّه وتُرْضيه بجهدك كلِّه، فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه، ولا تكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته، فالأول يحصل بالتحقُّق بشهادة أن لا إله إلا الله، والثاني يحصل بالتحقُّق بشهادة أن محمدًا رسول الله، وهذا هو الهدى ودين الحق، وهو معرفة الحق والعمل به، وهو معرفة ما بعثَ اللهُ به رسلَه والقيام به.
فَقُل ما شئتَ من العبارات التي هذا أحسنها وقُطْب رَحَاها، وهي معنى قول من قال: "علومٌ وأعمال ظاهرة وباطنة مستفادة من مِشْكاة النبوة"، ومعنى قول من قال: "متابعة رسول الله ظاهرًا وباطنًا عِلمًا وعَمَلًا"، ومعنى قول من قال: "الإقرار لله بالوحدانية والاستقامة على أمره"١.
وأما ما عدا هذا٢ من الأقوال، كقول من قال: "الصلوات الخمس"، وقول من قال: "حب أبي بكر وعمر"، وقول من قال: "هو أركان الإسلام الخمس التي بُنِيَ عليها"، فكل هذه الأقوال تمثيل وتنويع، لا تفسير مُطابق له، بل هى جزء من أجزائه، وحقيقَتُهُ الجامعةُ ما تقدَّم٣، والله أعلم.
فائدة٤
في ذكر بدل البعض من الكل، وبدل المصدر من الاسم، وهما
(١) انظر هذه الأقوال وغيرها في "تفسير الطبري": (١/ ١٠٣ - ١٠٥)، و"الدر المنثور": (١/ ٤٠ - ٤١).
(٢) (ق): "عداها".
(٣) وانظر "مجموع الفتاوى": (١٣/ ٣٣٦).
(٤) "نتائج الفكر": (ص / ٣٠٧).
جميعًا يرجعان في المعنى والتحصيل إلى بدل الشيء من: الشيء، وهما لعين واحدة، إلا أن البدلَ في هذين الموضعين لابُد من إضافته إلى ضمير المبدل منه، بخلاف بدل الشيء من الشيء، وهما لعينٍ واحدة.
أما اتفاقهما١ في المعنى؛ فإِنك إذا قلتَ: "رأيتُ القومَ أكثرهم أو "نصفهمِ"، فإنما تكلَّمتَ بالعموم وأنت تريدُ الخصوص، وهو كثير شائع، فأردتَ: رأيت بعض القوم، وجعلت "أكثرهم" أو "نصفهم" تبيينًا لذلك البعض وأضفته إلى ضمير القوم، كما كان الاسمُ المبدلُ مضافًا إلى القوم، فقد آل الكلامُ إلى أنك أبدلت شيئًا من شيء وهما لعين واحدة.
وكذلك بدل المصدر من الاسم؛ لأن الاسم من حيث كان جوهرًا لا يتعلَّق به المدح والذم، والإعجاب والحب والبغض، إنما متعلق ذلك ونحوه صفات وأعراض قائمة به، فإذا قلتَ: "نفعني عبد الله" عُلِم أن الذي نفعك منه صفةٌ وفعل من صفاته وأفعاله لا ذاته، ثم بيَّنت ذلك الوصف والفعل، فقلت: "علمه أو إرشاده: أو رُؤيته" فأضفتَ ذلكَ إلى ضميرِ الاسمِ كما كان الاسم المبدلُ منه مضافًا إليه في المعنى، فصار التقدير: "نفعني صفةُ زيد أو خَصْلةٌ من خصاله"، ثم بينتَها بقولك: "علمه أو إحسانه أو لقاؤه"، فآل المعنى إلى بدل الشيءِ من الشيءِ، وهما لعينٍ واحدة.
وإذا تقرر هذا فلا يصحُّ في بدل الاشتمال أن يكون الثاني جوهرًا؛ لأنه لا يبدل جوهر من عَرَض، ولابد من إضافته إلى ضمير