بدائع الفوائد

فهو المثابة للمحبين، يثوبون إليه ولا يقضون منه وطرًا أبدًا، كلما

أزدادوا له زيارة (ظ/ ٨١ أ) ازدادوا له حبًّا وإليه اشتياقًا، فلا الوِصَال

يشْفيهم ولا البعاد يسليهم، كما قيل:

أطوفُ به والنفسُ بعد مَشُوقةإليه وهل بعد الطوافِ داني
وألثمُ منه الركنَ أطلبُ بَرْدَ مابقلبيَ من شوقٍ ومن هيمان
فوالله ما أزدادُ إلا صَبَابةًولا القلبُ إلا كثرةَ الخفقانِ
فيا جنةَ المأوى ويا غايةَ المنىويا مُنْيَتي من دون كلِّ أمان
أبَتْ غَلَباتُ الشوقِ إلا تقرُّبًاإليك فما لي بالبعاد يدان
وما كان صَدِّي عنك صدّ ملالةٍولي شاهد من مقْلَتي ولساني
دعوتُ اصطباري عنك بعدك والبُكافلبَّى البُكا والصبر عنك عصاني
وقد زعموا أَن المحبَّ إذا نأىسَيَبْلى هواه بعد طوكِ زمانِ
ولو كان هذا الزعم حقًّا لكان ذادواء الهوى فى الناس كلّ أوان
بلى إنه يبلى التصبُّر والهوىعلى حاله لم يُبْلِه المَلَوان
وهذا محبٌّ قادَهُ الشوقُ والهوىبغير زمامٍ قائد وعنان
أتاك على بُعْد المزار ولو وَنَتمطيَّته جاءت به القدَمان

فائدة بديعة١

قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] من

  1. (١) "نتائج الفكر" (ص/ ٣١٢).
462

باب بدل الاشتمال، والسؤال إنما وقع عن القتال فيه، فلِمَ قدِّم الشهر (ق/١٠٦ ب) وقد قلتم: إنهم يقدمون ما هم ببيانه أهم وهم به أَعْنَى؟.

قيل: السؤال لم يقع منهم إلا بعد وقوع القتال في الشهر الحرام، وتَشْنيع أعدائهم عليهم بانتهاكه وانتهاك حرمته، فكان اغتمامُهم واهتمامهم بالشهر فوق اهتمامهم بالقتال، فالسؤال إنما وقع من أجل حُرمة الشهر فلذلك قُدِّم في الذِّكر، وكان تقديمه مطابقًا لما ذكرنا من القاعدة.

فإن قيل: فما الفائدة في إعادة ذكر القتال بلفظ الظاهر، وهلَاّ اكتفى بضميره، فقال: "قل: هو كبير"، وأنت إذا قلتَ: سألته عن زيد أهو في الدار؛ كان أوجزَ من أن تقول: "أزيد في الدار".

قيل: في إعادته بلفظ الظاهر نكْتة بديعة، وهي تعليِق الحكم الخبري باسم القتال فيه عمومًا، ولو أتى بالمضمر فقال: "هو كبير"، لتوهم اختصاص الحكم يذلك القتال المسؤول عنه، وليس الأمر كذلك، وإنما هو عام في كلِّ قتال وقعَ في شهرٍ حَرَام.

ونظير هذه الفائدة: قوله ﷺ وقد سئل عن الوضوء بماء البحر -فقال: "هُوَ الطَّهوْرُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ"١ فأعاد لفظ "الماء" ولم يقتصر على قوله: "نعم توضؤوا به" لئلَاّ يتوهم اختصاص الحكم بالسائلين لضرب من ضروب الاختصاص، فعدل عن قوله: "نعم توضؤوا"٢

  1. (١) أخرجه أبو داود رقم (٨٣)، والترمذي رقم (٦٩)، والنسائي: (١/ ٥٠)، وابن ماجه رقم (٣٨٦)، وغيرهم.
    والحديث صححه الترمذي وابن خزيمة وغيرهما، وتكلّم فيه غير واحد.
  2. (٢) من قوله: "به، لئلا ... " إلى هنا ساقط من (ظ ود).
463

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي