إنما امتنع الحال من المضاف إليه٢؛ لأن الحال يشبه الظرف والمفعول فلابد لها من عامل، ومعنى الإضافة أضعف من لامها، ولامها لا تعمل في ظرف ولا مفعول، فمعناها أولى بعدم العمل.
فإن قلت: فاجعل العامل فيها٣ هو العامل في المضاف.
قلت: هو محال لا يجب اتحاد العامل في الحال وصاحبها، فلو كان العامل فيها هو العامل في المضاف٤؛ لكانت حالًا منه دون المضاف إليه، فتستحيل المسألة، فأما إذا كان المضاف فيه معنى الفعل، نحو قولك: "هذا ضاربُ هند قائمة"، و"أعجبني خروجُها راكبة"، جاز انتصاب الحال من المضاف إليه؛ لأن ما في المضاف من معنى الفعل واقع على المضاف إليه وعامل فيما هو حالٌ منه، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا﴾[الأنعام: ١٢٨] وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ﴾[التغابن: ١٠] فإن ما في "مثوى" و"صاحب" من معنى الفعل يُصَحِّح عمله فى الحال، بخلاف قولك: "رأيت غلامَ هند راكبة"، فإنه ليس في الغلام شيء من رائحة الفعل.
وقد يجوز انتصاب الحال عن المضاف إليه إذا كان المضاف جزءه أو يُنزَّل منزلة جُزئه، نحو: "رأيت وجهَ هند قائمة"؛ لأن
(١) "نتائج الفكر": (ص/ ٣١٥).
(٢) (ظ ود): "والمضاف"!.
(٣) (ظ): "هنا"، (د): "فاجعل فيها".
(٤) من قوله: "قلت: ... " إلى هنا ساقط من (ق).
البعض يجري عليه حكم الكل في اقتضاء العامل له، فجاز أن يعمل في الحال ما يعمل في بعض صاحبها، لتنزُّله منزلته، وسريانُ حكمِ البعض إلى الكلِّ لا يُنكَر لغةً ولا شرعًا ولا عقلًا، فاللغة: نحو هذا، ونحو قوله: "ذهبت بعض أصابعه"، و"شرقت صدر القناة"، و"تواضَعَتْ سُور المدينة"، وهو كثير. وأما الشرع: فكَسَريان العِتْق في الشقص المشترك، وأما العقل: فإن الارتباط الذي بين الجزء والكل يقتضي أن يثبت لإحدهما ما يثبت للآخر، وعلى هذا جاء قول الشاعر١:
* كأن حواميه مدبرًا *
وقول حبيب٢:
* والعِلمُ في شهُبِ الأرْماحِ لامِعَةً *
فائدة بديعة٣
إن قيل: كيف يضمرون الناصب في مثل:
* لليسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني٤ *
(١) هو النابغة الجعدي: كما في "الخزانة": (٣/ ١٦١)، و"أمالى ابن الشجري": (١/ ٢٤)، وعجزه: "وإن كان لم يخضب".
(٢) هو: أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، "ديوانه": (١/ ٩٦)، وعجزه: * بينَ الخميسينِ لا في السبعةِ الشُّهُبِ *
(٣) "نتائج الفكر": (ص/ ٣١٧).
(٤) من شواهد الكتاب: (ا/ ٢٦٤)، ونسبه في "الخزانة": (٨/ ٥٠٣) لميسون بنت بحدل الكلبية، وعجزه: * أَحبّ إلىَّ من لُبسِ الشُّفوفِ *