ولا يخفى فساد هذا الجواب، فإنه منتقض بالطَّم والرِّم مما يعطف فيه المضارع على مثله، كقولك: "زيد يذهب ويركب"، و: "إنما يذهب ويخرج زيد"، وأمثال ذلك.
فالجواب الصحيح أن يقال: المراد ما في المصدر من الدَّلالة على ثبوت نفسِ الحدث، وتعليق الحكم به دون تقييده بزمان دون زمان، فلو أتى بالفعل المقيد بالزمان لفات الغرض، ألا ترى أن قولها: "للُبْسُ عباءةٍ وتقرَّ عَيْني"، المراد به حصول نفس اللبس مع كونها١ تقر عينُها كلَّ وقت شيئًا بعد شيء، فقرةُ العين مطلوبٌ تجدُّدها بحسب تجدد الأوقات، وليس هذا مرادًا في لبس العباءة، وكذا قولك: "أكْلُ الشعير وأكُفَّ وجهي عن الناس أحب إِليَّ منْ أَكل البر وأبذلَ وجهي لهم"، أفلا ترى أنه يُفضل٢ أكل الشعير على أكل البر، ويدوم له كَف وجهه عن الناس، كما أن تِلك فضَّلت لُبْس العباءة على لبس الشُّفوف وتدوم لها قُرة العَين. فعلمت أن المقصود ماهية المصدر وحقيقته لا تقييده بزمان دون زمان.
ولما كانت "أن" والفعل تقع موقع المصدر ويؤوَّلانِ به في الإخبار عنهما كما يخبر عن الاسم، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾[البقرة: ١٨٤] -أي: صيامكم٣ - أُوِّلَ المصدر بـ "أن" والفعل في صِحَّة عَطْف الفعل عليه، وهذا من باب المقابلة والموازنة، وقد جاء عطفُ الفعل على الاسم إذا كان فيه معنى الفعل نحو: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾[الملك: ١٩]، و﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ﴾[الحديد: ١٨]،
(١) (ق): "بكونها".
(٢) (ق ود): "تفضيل نفس".
(٣) "أي: صيامكم "ليست في (ق).
ومنه: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ٤٥ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾[آل عمران: ٤٥ - ٤٦]﴾ لأن الاسم المعطوف عليه لما كان حاملًا للضمير صارَ بمنزلة الفعل، ولو كان مصدرًا لم يجز عطف الفعل عليه إلا بإضمار "أن"؛ لأن المصادر لا تتحمل الضمائر.
فإن قيل: فلم جاز عطفُ الفعل على الاسم الحامل للضمير ولم يعطف الاسم على الفعل، فتقول: مررتُ برجلٍ يقعد وقائم، كما تقول: قائم ويقعد.
قيل: هذا سؤالٌ قوي، ولما رأى بعض النحاة أنه لا فرق بينهما أجاز ذلك وهو الزجاج، فإنه (ق/ ١٠٨ أ) أجازه في "معاني القرآن"١، والصحيحُ: أنه قبيح. والفرقُ بينهما أنك إذا عطفت الفعل على الاسم المشتق منه رَدَدت الفرع إلى الأصل؛ لأن الاسم أصل الفعل والفعل متفرِّع عنه، فجاز عطف الفعل عليه! لأنه ثان والثواني فروع على الأوائل. وإذا عطفتَ الاسمَ على الفعل كنت قد رددت الأصل فرعًا وجعلته ثانيًا، وهو أحق (ظ/ ٨٢ ب) بأن يكون مقدَّمًا لأصالته.
وسرُّ المسألة؛ أن عَطْف الفعل على الاسم في محل قوله: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾، و: "مررتُ برجل قائم ويقعد"؛ لأن الاسم مُعْتمد على ما قبله، وإذا كان اسم الفاعل معتمدًا عَمِل عَمَل الفعل وجرى مجراه، والاعتماد أن يكون نعتًا أو خبرًا أو حالًا، والذي بعد "الواو" ليس بمعتمد، فلو عكستَ المسألة وقلت: "يصففن وقابضات"، و"يقوم وقاعد"؛ قَبُح، لأن ما بعد "الواو" اسم محض وليس بمعتمد، فيجري مَجْرى الفعل٢.