بدائع الفوائد

الخبز وأطعمته"، وكذلك: "جَرِع الماءَ وأجرعته"، وكذلك: بلع وشم وسمع١؛ وذلك لأنها كلها يحصل للفاعل منها صفة في نفسه عير خارجة عنه، ولذلك جاءت أو أكثرها على فَعِل -بكسر العين- مشابهة لباب: فَزِع وجَذِر وحَزِن ومَرِض، إلى غير ذلك مما له أثر في باطن الفاعل وغموض معنى [فيه]٢، ولذلك كانت حركة العين كسرًا، لأن الكسرة خفض للصوت أخفاء له، فَشَاكَل اللفظ المعنى، ومن هذا: "لبس الثوب وألبسته إياه"؛ لأن الفعل -كان كان متعديًا- فحاصل معناه في نفس الفاعل، كأنه لم يفعل بالثوب شيئًا، وإنما فعل بلابسه، ولذلك جاء على فعل مقابلة "عَرِي"، وقالوا: كَسَوْته الثوب، ولم يقولوا: أكسيته إياه، وإن كان اللازم منه: كسِي، ومنه:

* واقعُدْ فإنك أنتَ الطَّاعِمُ الكاسي٣ *

فهذا من "كسِي يكسى" لا من "كسا يكسو"، وسرُّ ذلك: أن الكُسْوة سَتْر للعورة، فجاءً على وزن: "سَتَرته وحَجَبته"، فعدَّوْه بتغيير الحركة لا بزيادة الهمزة.

وأما "أَكَل وأَخَذ وضَرَب" فلا تُنْقَل؛ لأن الفعل واقع بالمفعول، ظاهر أثره فيه غير حاصل في الفاعل منه صفة، فلا تقول: "أضربت زيدًا عَمرًا"، (ق/١١٠ أ) ولا: "أقتلتُه خالدًا"؛ لأنك لم تجعله على صفة في نفسك كما تقدم.

  1. (١) في (د)، زيادة: "وفاق".
  2. (٢) من "النتائج".
  3. (٣) عجز بيت للحُطيئة، "ديوانه": (ص/ ١١٧)، وصدره:
    * دع المكارمَ لا ترحَل لبُغْيَتِها *
476

وأما "أعطيته" فمنقول من "عطا يعطو" إذا أشار للتناول، وليس معناه الأخذ والتناول؛ ألا تراهم يقولون: "عَاطٍ بغيرِ أنواط"١، أي: يشير إلى التناول من غير شيء، فنفوا أن يكون وقع هذا الفعل بشيء، فلذلك نُقل كما نُقِل المتعدي لقربه منه، فقالوا: أعطيته، أي: جعلته عاطيًا.

وأما "أنلت" فمنقول من "نال" المتعدية، وهي بمنزلة "عطا يعطو" لا تنبئ إلا عن وصول إلى المفعول دون تأثير فيه ولا وقوع ظاهر به.

ألا ترى إلى قوله سبحانه: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا﴾ [الحج: ٣٧] ولو كان فعلًا مؤثرًا في مفعوله لم يجز هذا، إنما هو منبئٌ عن الوصول فقط. وأما "آتيتُ المالَ زيدًا"؛ فمنقول من "أتى"؛ لأنها غير مؤثِّرة فى المفعول، وقد حصل منها في الفاعل صفة.

فإن قيل: يلزمك أن تجيز: "آتيت زيدًا عَمرًا أو المدينة"، أي؛ جعلته يأتيهما؟.

قلت: بينهما فرق٢ وهو أن إتيان المال كَسْب وتمليك، فلما اقترن به هذا المعنى صار كقولك: "أكسبته مالًا" أو "ملكته٣ إياه"، وليس كذلك: (ظ/ ٨٤ أ) "آتى زيدٌ عَمرًا".

وأما "شَرِبَ زيدٌ الماء"، فلم يقولوا فيه: "أشربته الماء"؛ لأنه بمثابة الأكل والأخذ، ومعظم أثره في المفعول، وإن كان قد جاء

  1. (١) مثل، يُضَرب لمن يدعي الشيءَ وهو لا يملكه، انظر: "مجمع الأمثال": (٢/ ٣٥٤).
  2. (٢) (ظ ود): "فرقان".
  3. (٣) في الأصول: "ملكته" والمثبت من "النتائج".
477

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي