بدائع الفوائد

لما ذكر الفاعل وهو الخارج، فكأنه قال: فليخرج بالكفارة عن يمينه، ولما لم يذكر الفاعل المكفر في قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] لم يذكر "عن" وأضافَ "الكفارةَ" إلى "الأيمان" إضافةَ المصدر إلى المفعول، وإن كانت "الأيمان" لا تكفر وإنما يكفر الحنث والإثم، ولكن الكفارة (ق / ١١١ ب) حَلٌّ لعقد اليمين، فمن هنالك أُضيفت إلى اليمين كما يضاف الحل إلى العقد؛ إذ اليمين عقد والكفارة حل له، والله أعلم.

فائدة١

قولك: "ألبست زيدًا الثوب"، ليس الثوب منتصبًا بـ "ألبست"، كما هو السابق إلى الأوهام، لما تقدَّم من أنك لا تنقل الفعل عن (ظ/٨٥ أ) الفاعل ويصير الفاعل مفعولًا، حتى يكون الفعل حاصلًا في الفاعل٢، ولكن المفعول الثانى منتصب بما تضمنه "ألبست" من معنى لبس، فهو منتصب بما كان منتصبًا به قبل دخول الهمزة والنقل، وذلك أنهم اعتقدوا طرحَها حين كانت زائدة، كما فعلوا في تصغير "حُمَيد وزُهَير"٣. ومنه قولهم: "أحببت حبًّا"، فجاؤوا بـ "حبيب" على اعتقاد طرح الهمزة وهي لُغَيَّة. ومنه "أورسَ النبتُ فهو وارسٌ"٤ على تقدير "وَرَسْته". ومنه: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ١٧﴾ [نوح: ١٧]﴾ فجاء المصدر على "نبَت".

ومما يوضح هذا أنهم أعلوا الفعل فقالوا: "أطال الصلاة وأقامها"،

  1. (١) "نتائج الفكر": (ص / ٣٣٤).
  2. (٢) من قوله: "ويصير الفاعل ... " إلى هنا ساقط من (ق).
  3. (٣) تصغير: "أحمد وأزهر".
  4. (٤) تحرّفت العبارة في الأصول، والتصويب من "النتائج".
483

مراعاةً لإعلاله قبل دخول الهمزة، ولهذا حيث نقلوه في التعجب فاعتقدوا إثبات الهمزة لم يُعَدُّوه إلى مفعول ثان، بل قالوا: "ما أضرب زيدًا لعمرو"، باللام؛ لأن التعجب تعظيم لصفة المتعجب [منه]١، وإذا كان الفعل صفة في الفاعل لم يُنْقل٢، ومن ثَمَّ صحَّحوه في التعجب، فقالوا: "ما أقومه وأطوله"! حيث لم يعتقدوا سقوط "الهمزة"، كما صححوا الفعل من "استحوذ"، و"اسْتَنْوَق الجمل" حيث كانت الهمزة والزوائد لازمة غير عارضة، والله أعلم.

فائدة٣

حذف "الياء" من "أمرتك الخير"، ونحوه إنما يكون بشرطين:

أحدهما: اتصال الفحل بالمجرور، فإن تباعد منه لم يكن بُد من "الياء"، نحو: "أمرت الرجل يوم الجمعة بالخير"٤؛ لأن المغنى الذي من أجله حُذِفت "الباء" معنًى وليس بلفظ وهو تضمُّنها معني "كلفتك"، فلم يقوَ على الحذف إلا مع القرب من الاسم، كما كان ذلك في "اخترت". ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] كيف أعاد حرف الجر في البدل لما طال بالصِّلة، وكذلك: ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا (ظ/ ٨٥ ب) تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا﴾ [البقرة: ٦١] على أحد القولين، أي: يُخرج لنا من بقل الأرض وقثائها. وقوله: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ﴾ توطئة وتمهيد. والقول الثاني: أنها متعلقة بقوله: ﴿تُنْبِت﴾ أي مما تنبت

  1. (١) من "النتائج" و"المنيرية".
  2. (٢) "النتائج": "لم يتعد".
  3. (٣) "نتائج الفكر": (ص/ ٣٣٦).
  4. (٤) في الأصول: "الخير".
484

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي