بدائع الفوائد

من هذا الجنس، فـ "مِن" الأولى لابتداء الغاية، والثاني لبيان الجنس، وهذا الثاني أظهر، فإذا أُعيدَ حرف الجر مع البدل لطول الاسم الأول فإثبات الحرف من نحو: "أمرتك الخير" إذا طال الاسم أجدر.

الشرط الثاني: أن (ق/١١٢ أ) يكون المأمور به حَدثًا. فإن قلت: "أمرتك بزيد" لم يحذف، لأن الأمر في الحقيقة ليس به وإنما هو على غيره، كأنك قلتَ: "أمرتك بضربه أو إكرامه". وأما: "نهيتك عن الشر"، فلا يحذف الحرف منه؛ لأنه ليس في الكلام ما يتضمَّن الفعل الناصب؛ لأن النهي عنه كَفٌّ وزَجْر وإبعاد، وهذه المعاني التي يتضمنها نَهْي تَطْلب من الحرف ما يطلبه نَهَى، بخلاف أَمَر؛ لأن "كَلَّف وأَلْزَم"١ تطلب "الباء".

فائدة بديعة٢

قولهم: "عرفتُ "، كذا أصل وضعها لتمييز الشيء وتعيينه، حتى يظهر للذهن منفردًا عن٣ غيره، وهذه المادة تقتضي العلو والظهور، كعُرْف الشيء لأعلاه، ومنه الأعراف، ومنه٤ عرف الديك.

وأما "علمتُ" فموضوعة للمركبات لا لتمييز المعاني المفردة، ومعنى التركيب فيها: إضافة الصفة إلى المحل، وذلك أنك تعرف زيدًا على حِدَته، وتعرف معنى القيام على حِدَته، ثم تضيف القيام إلى زيد، فإضافة القيام إلى زيد هو التركيب، وهو متعلَّق العلم.

  1. (١) (ق): "وأكرم".
  2. (٢) "نتائج الفكر": (ص/ ٣٣٨).
  3. (٣) (ق): "مستفرد منه".
  4. (٤) "الأعراف ومنه" سقطت من (ظ ود).
485

فإذا قلت: "علمتُ" فمطلوبها ثلاثة معان محلُّ، وصفةٌ، وإضافةُ الصحفة إلى المحل؛ وهي ثلاث معلومات متميزة١، إذا عرفت هذا؛ فقال بعض المتكلمين: لا يضاف إلى الله -سبحانه- إلا العلم لا المعرفة؛ لأن علمه متعلِّق بالأشياء كلها مركبها ومفردها تعلُّقًا واحدًا، بخلاف علم المُحْدَثين فإن معرفتهم بالشيء المفرد وعلمهم به غير علمهم ومعرفتهم بشيء آخر.

وهذا بناء منه على أن الله تعالى يعلم المعلومات كلها بعلمٍ واحد، وأن علمه بصدق رسوله ﷺ هو عين علمه بكذبِ مسيلمة، والذي عليه محققو النظار خلاف هذا القول، وأن العلومَ متكثَّرة متغايرة بتكثُّر المعلومات وتغايرها، فلكلِّ معلومٍ علمٌ يخصه، ولإبطال قول أولئك وذِكْر الأدلة الراجحة٢ على صحة قول هؤلاء مكان هو أليق به، وعلى هذا فالفرق بين إضافة العلم إليه ﷾ وعدم إضافة المعرفة لا ترجع إلي الإفراد والتركيب في متَعلَّق العلم، وإنما ترجع إلى نفس المعرفة ومعناها، فإنها في مجاري استعمالها إنما تُسْتَعمل فيما سبق تصوره خفاءٌ من نسيان أو ذهول أو عزوب عن القلب، فإذا تصوره وحَصَل في الذهن قيل: عرفه٣. أو وصف له صمته ولم يره، فإذا رآه بتلك الصفة وتعينت فيه قيل: عرفه، ألا ترى أنك إذا غاب عنك وجه الرجل ثم رأيته بعد زمان فتبينتَ أنه هو، قلتَ: عرفته، وكذلك٤. عرفتُ (ق/ ١١٢ ب) اللفظةَ، وعرفتُ الديار، وعرفتُ المنزل، وعرفتُ الطريق.

  1. (١) من (ق)، وفي "النتائج": "متلازمة".
  2. (٢) (ق): "الدالة".
  3. (٣) هذه الجملة في (ق) بعد سطر، ومكانها هنا أنسب.
  4. (٤) (ق): "قل: عرفه، وقيل: ... ".
486

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي