* بين ابن القيم في (البدائع) والسُّهيلي في (النتائج)
من أهم المصادر التي بنى المصنِّف كتابه عليها فيما يتعلق بمسائل اللغة والنحو هو كتاب "نتائج الفكر" لأبي القاسم عبد الرحمن ابن عبد الله السُّهيلي العلامة المتفنِّن المتوفى سنة (٥٨١).
ولأجل الغموض الذي اكتنفَ النقلَ عن هذا الكتاب؛ إذ نقل كثيرًا من نصوصه دون تصريح باسمه، بل يذكُرُ مُؤَلِّفَه -السُّهيلي-، ويُثني على بحوثه، ويرد عليه، ويتعقبه، ويزيد عليه، لكن من أيِّ كُتُب السُّهيليِّ ينقل؟ هذا ما لم يفصح عنه ابن القيم في شيء من الكتاب، وإن وقعت تسميته في موضع واحد: (٣/ ٩١٣) لكن هذه التسمية ليست من ابن القيم بل من السهيلي نفسه (انظر ما سبق ص ٥٠). وهذا الغموض هو ما كشف عنه الدكتور محمد إبراهيم البنَّا عندما أصدر كتاب السهيلي "نتائج الفكر"، فطابَقَ بين نقولِ ابن القيم وبين هذا الكتاب، فوجدَ الضالةَ وبان الأمرُ.
إلا أن نَشْوَته بهذه الفائدة جعلته يتجاوز الحد فى وصف صنيع المؤلف هتا بأنه: (ادعى نحوَ السُّهيلى لنفسه)، وأنه: (إنما حذف مقدمته وقدَّم وأخَّر، وزاد قليلًا واختصر، حتى ليظن القارئُ أن النحو الذي يسوقه اين القيم في كتابه من بدائعه، قال: والحق أنه ليس له فيه نصيب من قريب أو بعيد، وأن البدائع المسطورة في كتابه هي "نتائج الفكر" الني نقدمها الآن)١ اهـ.
(١) مقدمة "النتائج": (ص/ ٧).
ولم يقف عند هذا الحد المتجاوز، فتعدَّاه إلي القول بـ "أنه ينبغي إعادة النظر في هذا الرجل، إذ نُسبَ إليه من الآراء ما أدخله في عداد النحاة!! " = لأجل ذلك كلِّه رَأينا أن نفرد الكلام في هذه القضيّة، ليتجلّى وجه الحق فيها، دون وكَسْ أو شطط في الانتصار أو الاعتذار، وإن كان قُرْبي من (ابن القيم)، وتجاوز (البنَّا) في حقه قد يحدوني إلي الانتصار له، لما تُمليه وشائج القربى ويدفع إليه تجاوز (البنَّا)، لكني سأدفع ذلك قدر المستطاع؛ لأن المقصود هو الحق وما عداه فيوضع تحت الأرجل -كما قال ابن القيم-.
وهنا نؤصِّل أصلًا -في عزو الفوائد إلي أهلها- لا ينبغي أن يُخْتَلَف فيه، تواردت علية كلماتُ الأئمة السابقين ومن بعدهم -والمؤلف منهم-.
قال أبو عبيد (٢٢٤): (من شُكر العلم أن تقعد مع كل قوم، فيذكرون شيئًا لا تُحسنه فتتعلّم منهم، ثم تقعد بعد ذلك في موضع آخر فيذكرون ذلك الشيءَ الذي تعلّمته فتقول: والله ما كان عندي شيء حتى سمعتُ فلانًا يقول كذا وكذا، فتعلّمته، فإذا فعلتَ ذلك فقد شكرتَ العلم)١.
وقال النووي (٦٧٦): (ومن النصيحة: أن تُضاف الفائدة التي تُسْتغرب إلي قائلها، فمن فعل ذلك بورك له في علمه وحاله ... ولم يزل أهل العلم والفضل على إضافة الفوائد إلى قائلها ...)٢.