بعينه فأدخلوا الكاف على الحديث المؤكَّد بأن، لتؤذِنَ أن الحديثَ مشبه به. وحُكْم "إن" إذا أدخل عليها عاملٌ أن تفتح الهمزة منها، فصار اللفظ بها: "كأنَّ زيدًا الأسد".
فلِما في الكلمة من التشبيه المخبر به عن "زيد"، صار "زيد" بمنزلة مَن أُخْبِر عنه بالفعل، فوقع موقع النعت والحال، وعمل ذلك المعنى وتعلقت به المجرورات، ومن حيث كان في الكلمة معنى "إن" دَخَلت في هذا الباب (ظ/٨٧ ب) ووقع في خبرها الفعل نحو قولك: "كأن زيدًا يقوم"، والجملة نحو: "كأن زيدًا أبوه أمير"، [لو] لم يكن إلا مجرد التشبيه لم يَجُز هذا؛ لأن الاسم لا يُشَبَّه بفعل ولا بجملة، ولكنه حديث مؤكَّد بـ "إن" و"الكاف" تدل على أن خبرًا أشبه من خبر، وذلك الخبر المُشَبَّه هو الذي [دلَّ]١ عليه زيد، فكأنَّ المعنى: "زيد قائم وكأنه قاعد"، و"زيدٌ أبوه وَضيع وكأنَّ أباه أمير"، فشبَّهْت حديثًا بحديث. والذي يؤكِّد الحديث: "إن" والذي يدل على التشبيه: "الكاف"، فلم يكن بُدُّ من اجتماعهما.
فصل٢
وكلُّ هذه الحروف تمنع ما قبلها أن يعمل فيما بعدها لفظًا أو معنى. أما اللفظ؛ فلأنه لا يجتمع عاملان في اسم واحد، وهذه الحروف عوامل. وأما المعنى، فلا تقول: "سرني زيد قائم"، أي: سرَّني هذا الحديث، ولا: "كرهت زيدٌ قائم"، أي: كرهت هذا
(١) ما بين المعكوفات من "النتائج".
(٢) "نتائج الفكر" (ص/ ٣٤٥).
الحديث، كما يكون ذلك في "كان" و"ليس"؛ لأنهما ليستا بفعلٍ مَحْض، فجاز أن تقول: "كان زيد قائم"، أي: كان هذا الحديث. ولم يجز في "سرني" ولا "بلغني"، فإن أدخلتَ "ليت" أو "لعل" أو "إن" المكسورة لم يجز أيضًا؛ لأن هذه المعاني ينبغي أن يكون لها صدر الكلام فلا يقع بعدها١ فعل مُعْمَل٢ ولا مُلْغى، فإن جئت بـ "أن" المفتوحة قلت: "بلغني أن زيدًا منطلق"، فأعملْتَ الفعل في معمول معنويٍّ وهو الحديث؛ لأن الجملةَ الملفوظ بها حديث في المعنى، وإنما جاز هذا لامتناع الفعل أن يعمل فيما عملت فيه "إنَّ" ولابد له من معمول، فتسلط على المعمول المعنوي وهو الحديث، حيث لم يمكن أن يعمل في اللفظي الذي عملت فيه "أن"، وكذلك: "كرهت أن زيدًا منطلق"، المفعول هو الحديث، وهو معنًى لا لفظ.
فإذا قيل: ولم لا جعلوا لـ "أنَّ" المفتوحة٣ صَدْر الكلام كما جعلوا لـ "ليت" و"لعل" (ق/١١٥ أ) ولجميع الحروف الداخلة على الجمل؟.
قيل: ليس في "إن" معنى زائد على الجملة أكثر من التوكيد، وتوكيد الشيء بمثابة تَكْراره لا بمثابة معنًى زائدً فيه، فصحَّ أن يكون الحديث المؤكَّد بها معمولًا لما قبلها، حيث مَنَعَتْ هي من عمل ما قبلها في اللفظ الذي بعدها، فتسلَّط العامل الذي قبلها على الحديث، ولم يكن له مانع [في]٤ صدر الكلام يقطعه عنه، كما