بدائع الفوائد

كان ذلك في غيرها.

فإن كسرْتَ همزتَها كان الكسر فيها إشعارًا بتجريد المعنى الذي هو التوكيد عن توطئة الجملة للعمل في معناها، فليس بين المكسورة والمفتوحة فرق في المعنى، إلا أنهم إذا أرادوا توطئة الجملة١ لأَنْ يعمل الفعل الذي قبلها في معناها، وأن يُصَيِّروها في معنى الحديث، فتحوا الهمزة، وإذا أرادوا قطع الجملة مما قبلها وأن يعتمدوا على التوكيد اعتمادهم على الترجِّي والتمنِّي كسروا الهمزة ليؤذنوا بالابتداء والانقطاع مما قبل، وأنهم قد جعلوا التوكيد صدر الكلام، لأنه معنى كسائر المعاني؛ وإن لم يكن في الفائدة مثل غيره. وكان الكَسْر بهذا الموطن أولى لأنه أثقل من الفتح، والثِّقَل أولى أن يُعْتَمد عليه ويُصَدَّر الكلام به، والفتح أولى بما جاء بعد كلام لخفته، وأن المتكلم ليس في عنفوان نشاطه وجَمامه٢، مع أنّ المفتوحة قد تلي٣ الضم والكسر، كقولك: "لأنك، وبأنك، وعلمتُ أنك"، فلو كُسِرت لَتَوالَى الثِّقَل.

فإن قيل: فما المانع أن تكون هي وما بعدها في موضع المبتدإ، كما كانت في موضع الفاعل والمفعول والمجرور؛ أليس (ظ/٨٨ أ) قد صُيِّرت الجملةُ في معنى٤ الحديث، فهلَاّ تقول: "إنك منطلق معْجب لي؟ "، وما الفرق بينها وبين "أن" التي هي وما بعدها في تأويَل الاسم، نحو: "أن تقوم خير من أن تجلس"، فلم تكون تلك

  1. (١) من قوله: "للعمل في ... " إلى هنا ساقط من (د).
  2. (٢) "طه وجمامه" سقطت من (ق).
  3. (٣) بالأصول: "تليها"، والتصحيح من محقق النتائج.
  4. (٤) (ق): "موضع".
497

في موضع المبتدإ، ولا تكون هذه كذلك؟.

قيل: إن المبتدأ يعمل فيه عامل معنوي، والعامل المعنوي لولا أثره في المعمول اللفظي لما عُقِل، وهذه الجملة المؤكَّدة بـ "أن" إنما يصح أن تكون معمولًا لعامل لفظي؛ لأن العامل معنى والمعمول فيه أيضًا١، فهذا لا يفهمه المخاطب ولا يصل إلى علمه إلا بوحي، فامتنع أن تكون هذه الجملة المؤكدة فى موضع المبتدإ لأنه لا ظهور للعامل ولا للمعمول، ومن ثَمَّ لم تدخل كليها عوامل الابتداء من "كان" وأخواتها، و"إن" وأخواتها؛ لأنها قد استغنت بظهور عملها في الجملة في حرف يُصَيِّر الجملة معنى الحديث٢ المعمول فيه، فلا تقول: "كان أنك منطلق"، لا حاجة إلى "أن" مع عمل هذه الحروف الجملة.

وجواب آخر، وهو أنهم لو جَعَلوها فى موضع المبتدإ لم يسبق إلى الذهن (ق/: ١١٥ ب) إلا الاعتماد على مُجَرَّد التوكيد دون توطئة الجملة للإخبار عنها، فكانت تُكْسَر همزتها، وقد تقدَّم أنَّ الكسرَ إشعارٌ بالانقطاع عما قبل، واعتماد على المعنى الذي هو التوكيد، فلم يُتَصور فتحُها في الابتداء إلا بتقديم عاملٍ لفظي يدل على المراد بفتحها؛ لأن العامل اللفظي يطلبُ معمولَه، فإن وجدَه لفظًا غير ممنوعٍ منه، وإلا تسلَّط على المعنى، والابتداء بخلاف هذا.

فإن قيل: فلم قالوا "علمت أن زيدًا منطلق" و"ظننت أنه

  1. (١) بالأصول و"النتائج": "لأن المعمول ... "، وأصلحه محققه كما أثبتنا.
  2. (٢) (ق): "الحرف".
498

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي