بدائع الفوائد

في موضع المبتدإ، ولا تكون هذه كذلك؟.

قيل: إن المبتدأ يعمل فيه عامل معنوي، والعامل المعنوي لولا أثره في المعمول اللفظي لما عُقِل، وهذه الجملة المؤكَّدة بـ "أن" إنما يصح أن تكون معمولًا لعامل لفظي؛ لأن العامل معنى والمعمول فيه أيضًا١، فهذا لا يفهمه المخاطب ولا يصل إلى علمه إلا بوحي، فامتنع أن تكون هذه الجملة المؤكدة فى موضع المبتدإ لأنه لا ظهور للعامل ولا للمعمول، ومن ثَمَّ لم تدخل كليها عوامل الابتداء من "كان" وأخواتها، و"إن" وأخواتها؛ لأنها قد استغنت بظهور عملها في الجملة في حرف يُصَيِّر الجملة معنى الحديث٢ المعمول فيه، فلا تقول: "كان أنك منطلق"، لا حاجة إلى "أن" مع عمل هذه الحروف الجملة.

وجواب آخر، وهو أنهم لو جَعَلوها فى موضع المبتدإ لم يسبق إلى الذهن (ق/: ١١٥ ب) إلا الاعتماد على مُجَرَّد التوكيد دون توطئة الجملة للإخبار عنها، فكانت تُكْسَر همزتها، وقد تقدَّم أنَّ الكسرَ إشعارٌ بالانقطاع عما قبل، واعتماد على المعنى الذي هو التوكيد، فلم يُتَصور فتحُها في الابتداء إلا بتقديم عاملٍ لفظي يدل على المراد بفتحها؛ لأن العامل اللفظي يطلبُ معمولَه، فإن وجدَه لفظًا غير ممنوعٍ منه، وإلا تسلَّط على المعنى، والابتداء بخلاف هذا.

فإن قيل: فلم قالوا "علمت أن زيدًا منطلق" و"ظننت أنه

  1. (١) بالأصول و"النتائج": "لأن المعمول ... "، وأصلحه محققه كما أثبتنا.
  2. (٢) (ق): "الحرف".
498

ذاهب"، هلَّا اكتفَوا بعمل هذه الأفعال في الأسماء عن تصيير الجملة في معنى الحديث، كما أكتفوا في باب "كان" و"إنَّ"، فقالوا: "كان زيد قائمًا"، ولم يقولوا: "كان إن زيدًا قائمًا"؟.

قيل: الفرق بينهما أن هذه أفعال تدلُّ على الحَدَث والزمان، وليست بمنزلة "كان" و"ليس"١، ولا بمنزلة "إن" و"ليت"، فجرت مجرى "كرهت" و"أحببت"، فلذلك قالوا: علمت أنك مُنْطلق، كما قالوا: أحببت أنك مُنْطلق، إلا أنها تخالف كرهت وسائر الأفعال؛ لأنها لا تطلب إلا الحديث خاصة ولا تتعلق إلا به، فمن ثَمَّ قالوا: "علمت زيدًا منطلقًا" و"زيد علمتُ منطلق"، ولم يقولوا: "كرهت زيدًا أخاك"؛ لأنه لا متعلق لكرهت وسائر الأفعال بالحديث، إنما مُتَعلّقها الأسماء، إلا أن تفنعها "أنَّ"٢ من العمل في الأسماء، فتصير متعلقةً بالحديث، فافهمه.

فصل٣

فإن قيل: فما العامل في هذا الحديث المؤكَّد بـ "أنَّ" من قولك: "لو أنك ذاهب فعلت"، لاسيما و"لو" لا يقع بعدها إلا الفعل، ولا فِعْلَ هاهنا؛ فما٤ موضع "أنَّ" وما بعدها؟.

فالجواب: أنَّ "أنَّ" في معنى التأكيد، وهو تحقيق وتثبيت، فذلك المعنى الذي هو التحقيق اكتفت به "لو"، حتى كأنه فِعْل

  1. (١) ليست في (ق).
  2. (٢) سقطت من (ظ ود).
  3. (٣) "نتائج الفكر": (ص/ ٣٤٨).
  4. (٤) (ق): "في"
499

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي