ذاهب"، هلَّا اكتفَوا بعمل هذه الأفعال في الأسماء عن تصيير الجملة في معنى الحديث، كما أكتفوا في باب "كان" و"إنَّ"، فقالوا: "كان زيد قائمًا"، ولم يقولوا: "كان إن زيدًا قائمًا"؟.
قيل: الفرق بينهما أن هذه أفعال تدلُّ على الحَدَث والزمان، وليست بمنزلة "كان" و"ليس"١، ولا بمنزلة "إن" و"ليت"، فجرت مجرى "كرهت" و"أحببت"، فلذلك قالوا: علمت أنك مُنْطلق، كما قالوا: أحببت أنك مُنْطلق، إلا أنها تخالف كرهت وسائر الأفعال؛ لأنها لا تطلب إلا الحديث خاصة ولا تتعلق إلا به، فمن ثَمَّ قالوا: "علمت زيدًا منطلقًا" و"زيد علمتُ منطلق"، ولم يقولوا: "كرهت زيدًا أخاك"؛ لأنه لا متعلق لكرهت وسائر الأفعال بالحديث، إنما مُتَعلّقها الأسماء، إلا أن تفنعها "أنَّ"٢ من العمل في الأسماء، فتصير متعلقةً بالحديث، فافهمه.
فصل٣
فإن قيل: فما العامل في هذا الحديث المؤكَّد بـ "أنَّ" من قولك: "لو أنك ذاهب فعلت"، لاسيما و"لو" لا يقع بعدها إلا الفعل، ولا فِعْلَ هاهنا؛ فما٤ موضع "أنَّ" وما بعدها؟.
فالجواب: أنَّ "أنَّ" في معنى التأكيد، وهو تحقيق وتثبيت، فذلك المعنى الذي هو التحقيق اكتفت به "لو"، حتى كأنه فِعْل
(١) ليست في (ق).
(٢) سقطت من (ظ ود).
(٣) "نتائج الفكر": (ص/ ٣٤٨).
(٤) (ق): "في"
وَلِيَها، ثم عمل ذلك المعنى في الحديث، كأنك قلت: "لو ثبتَ أنك منطلق"، فصارت "أنَّ" كأنها من جهة اللفظ عاملة في الاسم الذي هو لفظ١، ومن جهة المعنى عاملة في المعنى الذي هو الحديث.
فإن قيل: ألم يتقدَّم أنه لا يعمل عامل معنوي في معمول معنوي؟.
قيل: هذا في الابتداء حيث لا لفظ يسدُّ مسدَّ العامل اللفظي، فأما هاهنا فـ "لو" لشدة مقارنتها للفعل وطلبها له، تقوم مقامَ اللفظ بالعامل الذي هو التحقيق والتثبيت الذي دلت عليه "أن" بمعناها، ومن ثَمَّ عَمِلَ حرفُ النفي المركب مع "لو" (ظ/٨٨ ب) من قولك: "لولا زيد"، عَمل الفعل٢، فصارَ زيد فاعلًا لذلك المعنى، حتى كأنك قلت: "لو عُدِم زيد وفُقد وغاب لكان كذا وكذا". ولولا مقارنة "لو" لهذا الحرف لما جاز٣ هذا؛ لأن الحروف لا تعمل معانيها في الأسماء أصلًا. فالعامل (ق/١١٦ أ) في هذا الاسم الذي بعد "لولا" كالعامل في هذا الاسم الذي هو الحديث من قولك: "لو أنك ذاهبٌ لفعلت كذا".
وأما اختصاص "لا" بالتركيب معها في باب: "لولا زيد لزرتك"٤، فلأن "لا" قد تكون منفردة تغني عن الفعل، إذا قيل لك: هل قام زيد؟ فتقول: لا، فقد: أخبرت عنه بالقعود. وإذا قيل لك: هل قعد؟ قلت: لا، فكأنك مخبر بالقيام، وليس شيءٌ من حروف النفي يُكْتفى به في الجواب حتى يكونَ بمنزلة الإخبار إلا هذا الحرف، فمن ثَمَّ