صَلُح الاعتماد عليه في هذا الباب، وساغَ تركيِبه مع حرف لا يطلب إلا الفعل، فصارت الكلمةُ بأسرها بمنزلة حرف وفعل، وصار "زيدٌ" بعدها بمنزلة الفاعل. ولذلك قال سيبويه: "إنه مبني على "لولا"، وهذا هو الحق؛ لا ما يَهْذُون به من أنه مبتدأ وخبره محذوف لا يظهر، وخامِلٌ لا يُذكر. هذا الفصل كله كلام السُّهيلي١ إلى آخره.
فائدة٢
قول سيبويه٣: "لا يجوز الاقتصار على المفعول الأول من باب: "أعْلَمت". تأوله أصحابه بمعنى لا يحسن٤ الاقتصار عليه، قالوا: لأنه هو الفاعل في المعنى، فإنه هو الذي علم ما أعلمته به من كون زيد قائمًا. قالوا: والفاعل يجوز الاقتصار عليه لتمام الكلام به، فهكذا ما في معناه، بخلاف المفعول الأول من باب "علمت"، فإنه ليس فاعلًا لفظًا ولا معنى، هذا تقرير قولهم. وقول إمامِ النحويين هو الصواب٥، ولا حاجة إلى تأويله هذا التأويل البارد.
وممن أنكر هذا التأويل السهيلي، وقال: "عندي أن كلام سيبويه محمول على الظاهر؛ لأنك لا تريد بقولك: "أعلمت زيدًا"، أي: جعلته عالمًا على الإطلاق، هذا محال، إنما تريد: أعلمته بهذا الحديث، فلابد إذا من ذكر الحديث الذي أعلمتَه به.
فإن قيل: فهل يجوز: أظْنَنْتُ زيدًا عَمْرًا قائمًا؟.
(١) في "النتائج" كما تقدم.
(٢) "نتائج الفكر": (ص/ ٣٥٠).
(٣) في "الكتاب": (١/ ١٩).
(٤) (ق): "لا يجوز" وهو خطأ.
(٥) "الصواب" سقطت من (ق).
قيل: الصحيح امتناعه؛ لأن الظن إن١ كان بعد علمِ ضروري فمحال أن ينقلب ظنًّا وإن كان بعد علمٍ نظري لم يرجع العالم إلى الظن إلا بعد النسيان والذُّهول عن ركن من أركان النظر٢، وهذا ليس من فعلكَ أنت به، فلا تقول: "أَظْنَنْتُه بعد أن كان عالمًا". وإن كان قبل الظن شاكَّا أو جاهلًا أو غافلًا لم يتصور أيضًا أن تقول: "أَظْنَنْته"؛ لأن الظن لا يكون٣ عن دليل يوقفه عليه، أو خبر صادق يخبره به، كما يكون العلم؛ لأن الدليل لا يقتضي ظنًّا، ولا يقتضي أيضًا شبهةً كما بَيَّنه الأصوليون، فثبتَ أن الظن لا تفعله أنت به، ولا تفعل شيئًا من أسبابه، فلم يجز: "أَظْنَنْته"، أىِ: جعلته ظانًّا، وكذلك يمتنع (ق / ١١٦ ب): "أشْكَكْته" أي: جعلته شاكًّا، ولكنهم يقولون: شَكَّكْتُه، إذا حدَّثتَه بحديثٍ يصرفه عن حال الظن إلى حال الشك".
هذا كلام السُّهيلي، وليس الأمر كما قال! ولا فرقَ بين "أَعْلَمته وأَظْنَنْته" إلا من جهة السماع.
وأما الجواب عما ذكره، فيقال: ما المانع أن يكون "أَظْنَنْته" أي: جعلته ظانًّا بعد أن كان جاهلًا أو شاكًّا بما ذكرتُه له من الأمارات والأدلة الظنية، وقولك: "إن الظنَّ لا يكون عن دليل يوقفه عليه أو خبر صادق يخبره (ظ/٨٩ أ) به"، دعوى مجرَّدة بل ظاهرة البطلان، فإن الظن هو الرُّجْحان، فإذا ذكرت له أمارة ظاهرة لا توجب اليقين أفادته الرُّجْحان وهو الظن، وهذا كما إذا أخبرك من يُثير خبرُه لك ظنًّا راجحًا ولا ينتهي إلى قَطْع، كالشاهد وغيره، فدعوى أن الظن: لا