بدائع الفوائد

يكون عن دليل دعوى باطلة، وإن أردت أنه لا يكون عن دليل قاطع لم يفدك شيئًا، فإنه يكون عن أمارة تحصِّل له الظن، ولا يلزم من كون الدليل لا يقتضي الظنَّ ألَاّ تقتضيه الأمارة.

وقوله: "فثبت أن الظنَّ لا تفعله أنتَ ولا تفعلُ شيئًا من أسبابه".

يقال: وكذلك العلم لم تفعله أنت به ولا شيئًا من أسبابه، إن أردتَ أنك لم تُحْدِثْه فيه، وإن أردت: أنك لم تتسبب إلى حصوله فيه فباطل، فإن ذكر الأمارات والأدلة الظنية سبب إلى حصول الظن له، وهذا أظهر من أن يُحْتاج إلى تقريره، ويدل عليه قولهم: "شَكَّكْته"، فإن معناه: أحدثت له شَكًّا بما ذكرته له من الأمور التي تستلزم شَكَّه.

فائدة١

كلُّ فعل يقتضي مفعولًا ويطلبه٢ ولا يصل إليه بنفسه، توصَّلوا إليه بأداة وهي حرف الجر، ثم إنهم قد يحذفون الحرفَ، لتضمُّن الفعل معنى فِعْلٍ متعد بنفسه كما تقدم.

لكنّ هاهنا دقيقة ينبغي التفطُّن لها، وهي: أنه قد يتعدَّى الفعل بنفسه إلى مفعول وإلى آخر بحرف الجر ثم يحذف المفعول الذي وصل إليه بنفسه لعلم السامع به، ويبقى الذي وصل إليه بحرف الجر٣، كما قالوا "نصحت لزيد"، و"كِلْت له"، و"وزنت له"، و"شكرت له"، المفعول في هذا كله محذوف والفعل واصل إلى

  1. (١) "نتائج الفكر": (ص/ ٣٥٢).
  2. (٢) سقطت من (ق).
  3. (٣) من قوله: "ثم يحذف ... " إلى هنا ساقط من (ق).
503

الآخر بحرف الجر، ولا يسمع قولهم: "أربعة أفعال تتعدى بنفسها تارة وبحرف الجو أخرى"، ويذكرون هذه، فإنه كلامٌ مجرَّد: عن تحقيق، بل المفعول في الحقيقة محذوف، فإذا قولك: "نصحت"، مأخوذ من: "نصح الخياط الثوب" إذا أصلَحَه وضمَّ بعضَه إلى بعض، ثم استعير في الرأي، فقالوا: "نصحت له"، أي: نصحت له رأيه، أي: أخلصته له وأصلحته.

والتوبةُ النَّصُوح إنما هي من هذا، فإن الذنب يمزق الدين، فالتوبة النصوح بمنزلة نَصْح الخياط (ق ١١٧ أ)، الثوبَ، إذا أصلحه وضمَّ أجزاءَه، ويقولون: "نصحتُ ريدًا" فيسقطون الحرف؛ لأن النصيحة إرشاد، فكأنك قلت: "أرشدته"، وكذلك: "شكرت"، إنما هو تفخيم للفعل وتعظيم له، من "شَكِرَ بطنُه" إذا امتلأ، فالأصل: "شكرتُ لزيدٍ إحسانَه وفعلَه"، ثم تَحْذف المفعول فتقول: "شكرت لزيد"، ثم تحذف الحرف؛ لأن شكرت متضمنة لحَمدت أو مَدَحت.

وأما: "كِلْتُ لزيد، ووزَنْتُ له"، فمفعولهما غير زيد؛ لأن مطلوبهما ما يُكال أو يُوْزَن، فالأصل دخول اللام، ثم قد يُحذَف لزيادة فائدة، لأن كيل الطعام ووزنه يتضمن معنى المبايعة والمعاوضة إلا مع حرف اللام؛ فإن قلت: "كِلْت لزيد"، أخبرت بكيل الطعام خاصة، وإذا قلت: "كِلْت زيدًا"، فقد أخبرت بمعاملته ومبايعته مع الكيل، كأنك قلت: "بايعته بالكيل والوزن". قال تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] أي: بايعوهم كيلًا ووزنًا.

وأما قوله: ﴿اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ [المطففين: ٢] فإنما دخلت "على" لتؤذِن أنَّ الكيل على البائع للمشتري، ودخلت "التاء" في "اكتالوا"،

504

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي