بدائع الفوائد

زائد على معناه، لأن التوكيد تَكْرار محض.

وقد احتج بعضُ أهل السنة١ على القائلين من المعتزلة بأن تكلم الله -تعالى وتقدَّس- لموسى ﵇ مجاز بقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ١٦٤﴾ [النساء: ١٦٤] فأكَّد الفعلَ بالمصدر، ولا يصح المجاز مع التوكيد. قال السهيلي٢: فذاكرت بهذا شيخَنا أبا الحسين٣، فقال: هذا حسن، لولا أن سيبويه أجاز في مثل هذا أن يكون مفعولًا مطلقًا، وإن لم يكن منعوتًا في اللفظ، فيحتمل على (ق / ١١٩ أ)، هذا أن يريد٤: "تكليمًا مّا"، فلا يكون في الآية حجة قاطعة، والحِجَاج عليهم كثيرة.

قلتُ٥: وهذا ليس بشيء والآيةُ صريحة فى أن المرادَ بها تكليمٌ أخص من الإيحاء، فإنه ذَكَر أنه أوحى إلى نوح والنبيين من بعده، وهذا الوحي هو التكليم العام المشترك، ثم خص موسى باسم خاصٍّ وفعل خاص وهو "كلم تكليمًا"، ورفع توهُّم إرادة التكليم العام٦ عن الفعل بتأكيده بالمصدر، وهذا يدل على اختصاص موسى بهذا التكليم، ولو كان المراد "تكليمًا مَّا"، لكان مساويًا لما تقدَّم من

  1. (١) بيَّنه السُّهَيلي في كتابه، وهو: "القُتَبِي" وهو: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ت (٢٧٦) سبقت ترجمته.
    وكلامه هذا في كتابه: "تأويل مشكل القرآن": (ص/ ١١١) إذ قال تعليقا على الآية: "فوكَّد بالمصدر معنى الكلام، ونفى عنه المجاز" اهـ.
  2. (٢) "نتائج الفكر": (ص / ٣٥٧).
  3. (٣) أي: ابن الطراوة، وسبقت ترجمته.
  4. (٤) (ق): "يكون".
  5. (٥) الكلام الآن لابن القيم.
  6. (٦) من قوله: "المشترك ثم ... " إلى هنا ساقط من (ظ ود).
512

الوحي أو دونه، وهو باطل!.

وأيضًا: فإن التأكيد في مثل هذا السِّياق صريحٌ في التعظيم وتثبيت حقيقة الكلام والتكليم فعلًا ومصدرًا، ووصفه بما يُشعِر بالتقليل مضاد للسياق، فتأمله.

وأيضًا: فإن الله -سبحانه- قال لموسى: ﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] فلو كان التكليم١ الذي حصل له "تكليمًا مّا" كان مشاركًا لسائر الأنبياء فيه، فلم يكن لتخصيصه بالكلام معنى.

وأيضًا: فإن وَصْف المصدر هاهنا مُؤَذِن بقلَّته وأنَّ "نوعًا ما" من أنواع التكليم حصل له، وهذا محال هاهنا، فإن الإلهام "تكليم مَّا"، ولهذا سماه الله تعالى وحيًا، والوحى "تكليم مَّا" فقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]. ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] ونظائره. وقال عُبَادة بن الصامت: "رؤيا المؤمن كلام يكلِّم به الربُّ عبده في منامِه"٢. فكلُّ هذه الأنواع تسمَّى "تكليمًا ما". وقد خصَّ ﷾ موسى واصطفاه على البشر بكلامه له.

وأيضًا: فإن الله سبحانه حيثُ ذكرَ موسى ذكرَ تكليمه له باسم التكليم الخاص دون الاسم العام، كقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ (ط/ ٩١ أ) لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] بل ذَكَرَ تكليمه له بأخصَّ من ذلك وهو تكليم خاص، كقوله:

  1. (١) سقطت من (ظ ود).
  2. (٢) أخرجه الطبراني -كما في "المجمع": (٧/ ١٧٤) - والضياء في "المختارة": (٨/ ٢٧٥) مرفوعًا إلى النبي ﷺ، قال الهيثمي: "في سنده من لم أعرفه" اهـ.
513

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي