بدائع الفوائد

قال السهيلي١: "وسألته عن العامل في المصدر إذا كان توكيدًا للفعل، والتوكيد لا يعمل فيه المؤكَّد، إذ هو [هو]٢ في المعنى، فما العامل فيه؟.

فسكتَ قليلًا ثم قال: ما سألني عنه أحدٌ قبلك، وأرى أن العامل فيه ما كان يعمل في الفعل قبله لو كان اسمًا، لأنه لو كان اسمًا لكان منصوبًا بفعلت المتضمَّنة فيه.

ثمَ عرضتُ كلامَه على نفسي وتأملت "الكتاب"، فإذا هو قد ذَهَل عما لوَّح إليه سيبويه في باب المصادر، بل صرَّح، وذلك أنه جعل المصدر المؤكد منصوبا بفعل هو التوكيد على الحقيقة، واخْتُزل ذلك الفعل، وسدَ المصدر الذي هو معموله مسدَّه، كما سدَّت "إياك" و"رُوَيْدًا" مسدَّ العامل فيهما، فصار التقدير: "ضربتُ ضربتُ ضربًا"، فـ "ضربتُ" الثانيةَ هي التوكيدُ على الحقيقة، وقد سدَّ "ضربًا" مسدَّها، وهو معمولها، وإنما يُقَدَّر عملُها فيه على أنه مفعول مطلق لا توكيد، هذا معنى قول صاحب "الكتاب" مع زيادة في الشرح، ومن تأمله هناك وجده كذلك.

والذي أقولُ به الآن قول الشيخ أبي الحسين؛ لأن الفعل المختزل معنى، والمعاني لا يؤكد بها وإنما يؤكَّد بالألفاظ٣، وقولك: "ضربت، فعل مشتق من المصدر، فهو يدل عليه، فكأنك قلت: "فعلت الضربَ"، فضربت يتضمَّن (المصدر)٤ ولذلك تضمره، فتقول: "من كذبَ فهو شر له"، وتقيده بالحال، نحو: "قمنا سريعًا"، فسريعًا حال من

  1. (١) "نتائج الفكر": (ص/ ٣٥٨). والمسؤول ابن الطراوة.
  2. (٢) من "المنيرية".
  3. (٣) (ق): "يوكِّدها الألفاظ".
  4. (٤) في "النتائج": "يتضمَّن الضرب المفعول".
515

القيام، فكما جاز أن تقيده بالحال وأن تكني عنه [بهو] جازَ أيضًا أن تؤكده بـ "ضربًا"، كأنك: قلت: "ضربًا ضربا"، ونصب "ضربًا" المتضمن "ضربًا"١ المصرَّح به، وبه يعمل في الثاني بمعنى "فعلت"، كما كان ذلك في المفعول المطلق إذا قلت: "ضريت ضربًا شديدًا"، أي: فعلت ضربًا شديدًا، (ق/١٢٠ أ)، وليس المؤكد كذلك، إنما ينتصب كما ينتصب "زيدًا" الثاني في قولك: "ضربت٢ زيذًا زيدًا" مكررًا، انتصبَ من حيث كان هو الأول لا أنك أضمرتَ له فعلًا (ظ/٩١ ت)، فتأمله". تم كلامه.

ثم قال٣:

فصلٌ فيما يؤكَّد من الأفعال بالمصادر وما لا يؤكَّد

قد أشرنا إلى أن الفعل٤ قسمان: خاص وعام، فالعام: "فعلت" و"عملت"، و"فعلت" أعمّ؛ لأن "عملت" عبارة عن حركات الجوارح الظاهرة مع دءوب، ولذلك جاء على وزن "فَعِل" كتَعِب ونَصب، ومن ثَمَّ لم تجدها يخبر بها عن الله -سبحانه- إلا أن يَرِدَ بها سمع، فيُحمل على المجاز المحض، ويلتمس له التأويل.

قلت٥: وقد ورد قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ

  1. (١) (ق): "ضربك ... "، و(ظ ود) سقط منها: "المتضمن ضربًا".
  2. (٢) من قوله: "ضربًا شديدًا ... " إلى هنا ساقط من (ظ ود).
  3. (٣) "نتائج الفكر": (ص / ٣٦٠).
  4. (٤) (ق): "الفعل المؤكد".
  5. (٥) التعليق لابن القيم ﵀.
516

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي