بدائع الفوائد

قلت١: الصحيح أنه مصدر جاءَ على "الفعول"، لأن مقابله وهو الكفر والجَحد والنفار تجيء مصادرها على "الفعول"٢، نحو: كُفُور وجُحُود ونفُور، ويبعد كلَّ البعد أن يراد بالكفور جمع الكُفْر، والكفر، يُعْهد جمعه في القرآن قطّ ولا في الاستعمال، فلا يعرف في التخاطب: "أكفار وكفور"، وإنما المعروف الكفر، والكُفْران والكفوْرُ، مصادرُ ليس٣ إلا، فحسَّن مجيء الشكور على الفعول حمله على مقابله، وهو كثير في اللغة، وقد تقدَّم الإشارة إليه، وحتى لو كان الشكور سائغًا استعماله جمعًا٤، واحتمل الجمع والمصدر، لكان الأليق بمعنى الآية المصدر لا الجمع؛ لأن اللهَ تعالى وصفهم بالإخلاص، وأنهم إنما قصدوا بإطعام الطعام وجهه، ولم يريدوا من المطعَمِين جزاء ولا شكورًا، ولا يليق بهذا الموضع أن يقولوا: لا نريد منكم أنواعًا من الشكر وأصنافًا منه، بل الأليق بهم وبإخلاصهم أن يقولوا: لا نريد منكم شُكرًا أصلًا، فينفوا إرادة نفس هذه الماهية منهم، وهو أبلغ في قصد الإخلاص من نفي٥ الأنواع، فتأمله فإنه ظاهر، فلا يليق بالآية إلا المصدر، وكذلك قوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ٦٢﴾ [الفرقان: ٦٢] إنما هو مصدر، وليس بالمعهود البيِّن جمع الشُّكر علي الشُّكُور واستعماله كذلك، كما لم يُعْهد ذلك في الكفور.

عاد كلامه٦ قال: "ويزيدُ هذا وضوحًا قولهم: "أحببت حبًّا"،

  1. (١) الكلام لابن القيم ﵀.
  2. (٢) من قوله: "قلت ... " إلى هنا ساقط من (ظ ود).
  3. (٣) سقطت من (ق).
  4. (٤) سقطت من (ق).
  5. (٥) تحرّفت في (ق).
  6. (٦) "النتائج": (ص / ٣٦٤).
522

فالحب ليس بمصدر لأحببت، إنما هو عبارة عن الشغل بالمحبوب، ولذلك جاء على ورنه مضمومَ الأول، ومن ثَمَّ جُمِع كما جُمِع الشغل، قال:

ثلاثةُ أحباب؛ فحبُّ عَلاقةٍوحُبُّ تِمِلَاّق، وحبٌّ هو القتل١

فقد انكشف لك بقولهم: "أحببتُ حبًّا" ولم (ق/١٢٢ أ)، يقولوا: "إحبابًا" استغناءً بالمفعول المطلق الذي هو أَفْيَد عند المخاطب من "الإحباب"، أَنَّ "حلمت حُلْمًا"، و"شكرت شكرًا"، و"كفرَ كُفرًا"، و"صَنَع صنعًا"، كلّها واقعة على ما هو اسم للشيء المفعول وناصبة له نَصْب المفعول المطلق. وهو في هذه الأفعال أجدر أن يكون كذلك؛ لأنها أعم من "أحببت"؛ إذ الشكرُ واقعٌ على أشياءَ مختلفة، وكذلك الكفر والشغل والحُلم، وكلما كان الفعل أعم وأشيع لم يكن لذكر مصدره معنى، وكان "فَعَل ويَفْعل" مغْنيًا عن، ولولا كشْف الشاعر لاختلاف أنواع "الحب" ما كِدْنا نعرف ما فيه من العموم، ولكنه لما فيه من العموم، وأنه في معنى "الشغل" صار "أحببت" كشغلت، وصار الحب كالشغل. ولو قال: "إحبابًا" لكان بمنزلة: "شَغَلت شَغلًا" بفتح الشين، ألا ترى أنهم لا يجمعون من المصادر ما كان على وزن الإفعال نحو: الإكرام، وعلى وزن الانفعال، والافتعال، [والتفعيل]٢ ونحوها، إلا أن يكون محدودا كالتَّمْرة من التمر.

وأما جمعه لاختلاف الأنواع فلا اختلاف أنواع فيه، إنما اختلاف

  1. (١) البيت في "اللسان": (١٠/ ٣٤٧) بلا نسبة.
  2. (٢) في الأصول: "والفعل"، والمثبت من "النتائج".
523

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي