بدائع الفوائد

اسم الفاعل أتوا بالاسم من الرُّباعي حتى كأنهم لم ينطقوا بالثلاثي، فقالوا: "محب"، ولم يقولوا: "حابٌّ" أصلًا، وجاؤوا إلى المفعول فأتوا به من الفعل الثلاثي في الأكثر، فقالوا: (ق/ ٢٢ أب) "محبوب"، ولم يقولوا: مُحَب إلا نادرًا كما قال١:

ولقد نزلتِ فلا تظنِّي غيرَهمِني بمنزلةِ المُحَب المُكْرمِ

فهذا من "أحببت" كما أن المحبوب من "حببت"، ثم استعملوا لفظ الحبيب في المحبوب أكثر من استعمالهم إياه في المُحِب مع أنه يُطلق عليهما، فمن مجيئه بمعنى المفعول قول ابن الدمينة٢:

وإن الكثيبَ الفردَ من جانبِ الحِمَىإليَّ وإنْ لم آتِهِ لحبيبُ

أى: لمحبوب.

ومن مجيئه للفاعل، قول المُخَبَّل٣:

أَتهجر ليلى للفراقِ حَبِيْبَهاوما كان نَفْسًا بالفراق تطِيْب

فهذا بمعنى: محبها، وربما قالوا للحبيب: حِب، مثل: خِدْن، فخِدْن وخَدِين مثل: حبّ وحَبيب. وإذا ثبت هذا فقوله ﵀: "الحب ليس بمصدر لأَحببت إنما هو عبارة عن الشغل بالمحبوب"؛ ليس الأمر كما قال! بل هىِ مصدر للثلاثي أَجْرَوه على الفعل الرباعي

  1. (١) البيت لعنترة في معلقته، "ديوانه": (ص/ ١٥).
  2. (٢) (ق): "ابن الزبير" وهو خطأ.
    والبيت ضمن قصيدة بائية في "حماسة أبى تمام": (٢/ ١١٣).
  3. (٣) في المطبوعة: المجنون، والبيت في "الخصائص": (٢/ ٣٨٤)، و"شرح شواهد الإيضاح" للقيسي (١/ ٢٤٩)، و"لسان العرب" مادة حبب، و"شرح الكافية" لابن مالك: (٢/ ٧٧٨).
525

استغناء به عن مصدره، وهذا لكثرة ولوع١ أنفسهم بالحب وألسنتهم به استعملوا منه أخفَّ المصدرين استغناء به عن أثقلهما.

وأما مجيئه بالضم: دون الفتح، فَلِسِرٍّ في ذلك، وهو قوة هذا المغنى وتمتكُّه من نفس المحِبِّ وقهره وإذلاله إياه، حتى إنه ليذل الشجاع الذي لا يذل لأحد فينقهر لمحبوبه ويستأسر له، كما هو معروف في أشعارهم ونثرهم، وكما يدل عليه الوجود، فلما كان بهذه المثابة أَعْطوه أقوى الحركات وهى الضمة، فإن حركة الحب أقوى الحركات فأعطوا أقوى حركات المتحرك أقوى الحركات اللفظة؛ ليتشاكل اللفظُ والمعنى، فلهذا عَدَلوا عن قياسِ مصدره وهو الحب إلى صَمِّه.

وأيضًا: فإنهم كرهوا أن يجيئوا بمصدره على لفظ "الحب" الذي هو اسم جنس للحبة٢، ولم يكن بُد من عدولهم إما إلى الضم أو إلى الكسر، وكان الضم أولى لوجهين؛ أحدهما: قوته وقوة الحب. الثاني: أن في الضمة من الجمع ما يوازي ما في معنى الحب من جمع الهِمَّة والإرادة على المحبوب، فكأنهم دلَّوا السامعَ بلفظه وحركته وقوته على معناه.

وتأمل كيف أتوا في هذا المسمى بحرفين:

أحدهما: الحاء التي هى من أقصى الحلق، فهي مَبْدأ الصوت ومخرجها قريبٌ من مخرج الهمزة من أصل الصدر الذي هو (ق/١٢٣ أ) معدن الحب وقراره.

  1. (١) (ق): "وقوع".
  2. (٢) (ظ): "للمحبة"، و(ق): "المحبة" والصواب ما أثبته.
526

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي