ثم قرنوها بـ "الباء"١ التي هى من الشفَتَين، وهى آخر مخارج الصوت ونهايته، فجمع الحرفان بدايةَ الصوت ونهايته، كما اشتمل معنى الحبِّ على بداية الحركة ونهايتها، فإن بداية حركةِ المحب من جهة محبوبه، ونهايتها الوصول٢ إليه، فاختاروا له حرفين هما بداية الصوتِ ونهايته، فتأمل هذه النكت البديعة تجدها ألطف من النسيم، ولا تَعْلَق إلا في هو يناسبها لطافةً وَرِقَّة.
واشتقاقه في الأصل من الملازمة والثبات من قولهم: "أحبَّ البعير فهو محب" إذا برك٤ فلم يَثُر، فقال٥:
حُلْتَ عليه بالقَطِيْعِ ضَرْبًاضربَ بعير السُّوءِ إِذْ أحَبَّا
فلما كان المُحِب ملازمًا لذكر محبوبه، ثابتَ القلب على حُبه [مقيمًا]٦ عليه، لا يروم عنه انتقالًا ولا يبغي عنه زوالًا، قد اتخذ له في سويداء قلبه وطنًا وجعله له سكنًا:
تزولُ الجبال الراسياتُ وقَلْبُهعلى العهدِ لا يلوي ولا يتغيرُ
فلذلك أَعْطَوه هذا الاسم الدال على الثبات واللزوم، ولما جاؤوا
(١) وهو الحرف الثاني.
(٢) (ظ ود): "إلى الوصول".
(٣) من أمثال العرب قولهم: "ليس هذا بعشك فادرجى" يُضرب لمن يرفع نفسَه فوق قدره. انظر: "مجمع الأمثال": (٢/ ١٨١).
(٤) (ق): "نزل".
(٥) هو: أبو محمد الفقعسي، كما في "اللسان": (١/ ٢٩٢) وفيه: "بالقفيل" وهو السوط، والقطيع" السوط -أيضًا-.
(٦) في (ظ وق): "متيمًا" والمثبت من (د).
إلى المحبوب أعطوه في غالب استعمالهم لفظ: "فَعِيل" الدال على أن هذا الوصف، وهو كونه متعلق الحب أمر ثابت له لذاته، وإن لم يُحب فهو حبيب، سواء أَحبَّه غيره أم لا، وهذا١ الوزن موضوع في الأصل لهذا المعنى كـ "شريف" وإن لم يشرفه غيره، وهو من بناء الأوصاف الثابتة اللازمة، كطويل وقصير وكريم وعظيم وحَليم وجميل وبابه، وهذا بخلاف "مفعول"، فإن حقيقته لمن تعلق به الفعل ليس إلا كـ "مضروب" لمن وقع عليه الضرب، "ومَقْتول ومَأكول" وبابه، فهجروا في أكثر كلامهم لفظ "محبوب" لما يُؤْذِن من أنه الذي تعلَّق به الحبُّ فقط، واختاروا له لفظ "حَبيب" الدال على أنه حبيب في نفسه، تعلَّقَ به الحبُّ أم لا، ثم جاؤوا إلى من قام به الحب فأعطوه لفظة "مُحِب" دون "حابٍّ" لوجهين:
أحدهما: أن الأصل هو الرباعي والنطق به أكثر، فجاءَ على الأصل.
الثاني: أن حروفه أكثر من حروف "حابّ"، والمحل محل تكثير لا محل تقليل٢.
فتأمل هذه المعاني التي لا تجدها في كتاب، وإنما هي رَوْضة: أُنُف مَنَحَ العزيزُ الوهاب فَهمَها وله الحمد والمنة، وقد ذكرنا من هذا وأمثاله في كتاب "التحفة المكية" ما لو وجدناه لغيرنا لأعطيناه حقَّه من الاستحسان والحدث، ولله الفضل والمنة.
وأما جَمْع الشاعر له على: "ثلاثة أحباب"؛ فلا يخرجه عن كونه