قيل: هذه غفلة! أليس قد قالوا: "سُقْم" بضمِّ السين، فهو عبارة عن الداء الذي به يسقم الإنسان، فصار كالدُّهن والشغل، وهو: في ذاته مختلف الأنواع، فجُمع.
وأمَّا المرض فقد يكون عبارة عن السُّقم والعِلة، فيُجْمع على "أمراض"، وقد يكون مصدرا، كقولك: مرض، فلا يجمع.
فإن قيل: تفريقك بين الأمرين١ دعوى، فما دليلها؟.
قلنا: قولك: "عَرق يعرق عرقًا" لا يخفى على أحد أنه مصدر عرق، والعَرَق الذي هو جسم سائل مائع سائل من الجسد، لا يخْفى على أحدٍ أنه غير "العَرَق" الذي هو المصدر، وإن كان اللفظ واحدًا، فكذلك "المرض" يكون عبارة عن المصدر وعبارة٢ عن "السقم" والعلَّة، فعلى هذا تقول: "تصبَّب زيدٌ عرقًا" فيكون له إعرابان؛ تمييز -إذا أردت المائع-، ومفعول من أجله أو مصدر مؤكِّد -إذا أردت المصدر- وكذلك: "دميت إصبعي دمًا" إذا٣ أردت المصدر فهو [الدَّمَى]٤ محل العَمَى، وإن أردت الشيء المائع فهو "دم" مثل: "يد"، وقد يُسمَّى المائع بالمصدر، قال٥:
فَلَسْنا على الأعقابِ تَدْمى كُلُوْمُناولكنْ عَلى أقدامنا تَقْطُر الدّما
فهذا (ق/١٢٤ أ) مقصور كالعصا، وعليه قول الآخر:
(١) من قوله: "السُّقم والعنة ... " إلي هنا ساقط من (ق).
(٢) (ق): "ويكون عبارة".
(٣) "دما" ليست في (ق) وفيها: "إذا"، و(د): "وأما إذا".
(٤) سقطت من الأصول، والاستدراك من "النتائج".
(٥) البَيت لحُصَين بن حمام المرِّي، انظر "حماسة أبى تمام": (١/ ١١٤)، ووقع فى الأصول: "على أعقابنا .. " وهو خطأ.
*جَرَى الدمَيان بالخَبَر اليقينِ١ *
فصل٢
ومن حيث امتنع أن يؤكَّد الفعل العام بالمصدر لشيوعه -كما يمتنع توكيد النكرة لشيوعها، وأنها لم تَثبت لها عينٌ- لم يَجُز أن يخبر عنه كما لا يخبر عن النكرة، لا تقول: من فعل كان شرَّا له، بخلاف: من كذب كان شرًّا له؛ لأن "كذب" فعل خاصُّ فجاز الإخبار عما تضمَّنه من المصدر، ومن لمَّ لم يقولوا: "فعلت سريعًا" ولا: "عملت طويلًا"، كما قالوا: "سرت سريعا" و"جلست٣ طويلًا" على الحال من المصدر كما يكون الحال من الاسم الخاص ولا يكون من النكرة الشائعة.
قيل: لا يجوز إقامة النعت مقام المنعوت إلا على شروط مذكورة في موضعها، فليس قولهم: "سرت سريعا" نعتًا لمصدر نكرة محذوفة، إنما هو حال من مصدر في حكم المعرفة بدلالة الفعل الخاص عليه، فقد استقام الميسم٤ للناظر في فصول هذه المسألة، واستتبَّ القياس فيها من كل وجه.
فإن قيل: فما قولكم في "عَلِمت عِلمًا"، أليس هو مصدرًا لعلمت،
(١) عجز بيتٍ لعلي بن بدال بن سليم، وصدره: * فلو أنَّا على جُحْرِ ذُبحْنا * من انظر: "الخزانة": (٧/ ٤٨٢)، والبيت في "الأغاني": (٢٤/ ٢٥٤) بلا نسبة.