وأما "الفكر" فليس باسمٍ عند سيبويه، ولذلك مَنَع من جمعه، فقال١: "لا يُجْمع الفكر على أفكار"، حَمَله على المصادر التي لا تجمع. وقد استهوى الخطباءَ والقصاصَ خلافُ هذا، وهو كالعلم لقُرْبه منه في معناه، ومشاركته له في محلِّه، وأما "الذكر" فبمنزلة العلم؛ لأنه نوع٢ منه.
فصل٣
فيما يحدد من المصادر بالهاء، وفيه بقايا من الفصل الأول.
قد تقدمَ أنَّ الفعلَ لا يدل على مَصدره إلا مطلقًا غير محدود ولا منعوت، وأنك إذا قلت: "ضربته٤ ضربة"، فإنما هي مفعول مُطْلق لا توكيد؛ لأن التوكيد لا يكون في معناه زيادة على المؤكد، ومن ثَمَّ لا تقول: "سِيْر بزيد سريعة حسنة"، تريد: سِيرةً كذلك، ولا "قعدت طويلةً"؛ لأن الفعل لا يدل بلفظه على المَرَّة الواحدة، ومن ثمَّ بطل ما أجاره النحَّاس٥ وغيرُه من قوله: "زيد ظننتها منطلق"، تريد: "الظِّنة"، لأن الفعل لا يدل عليها.
وإذا ثبتَ هذا فالتحديدُ في المصادر ليس يطَّرد في جميعها، ولكن فيما كان مها حركة للجوارح الظاهرة ففيه يقع التحديدُ غالبًا؛
(١) في "الكتاب": (٢/ ٢٠٠).
(٢) (ق): "ممنوع"!.
(٣) "نتائج الفكر": (ص/ ٣٦٩ - ٣٧٤)، وفي (د): "فائدة".
(٤) "النتائج": "ضربت".
(٥) هو: أحمد بن محمد أبو جعفر المصري، العلامة النحوي، صاحب "إعراب القرآن" وغيره، ت (٣٣٨)، انظر: "إناه الرواة": (١/ ١٠١)، و"بغية الوعاة": (١/ ٣٦٢).
لأنه مضارع للأجناس الظاهرة التي يقع الفرق بين الواحد منه١ والجنس بـ "هاء التأنيث"، نحو: تمرة وتمر، ونخلة ونخل، وكذلك تقول: ضَرْبة وضَرْب.
وأما ما كان من الأفعال الباطنة نحو: عَلِم وحَذِر وفَرق ووَجِل، أو ما كان طبعًا نحو: ظَرف وشَرُف، لا يقال في شيءٍ من هَذا: فَعلَةٌ، لا يقال: فَهم فهْمة، ولا: ظَرُف ظَرْفة. وكذلك ما كان من الأفعال عبارة عن الكثرة والقِلَّة نحو: طال وقَصر، وكبرَ وصَغْر، وقل وكَثر، لا تقول فيه: فَعْلَة.
وأما قولهم: "الكَبْرَة في الهَرَم"، فعبارة عن الصِّفة وليست بواحدة من الكبر، وكذلك الكثرة ليست كالضربة من الضرب؛ لأنك لا تقول: كَثُر كَثرًا.
وأما: "حمدًا"؛ فما أحسبه يقال في تحديده: حَمْدة، كما يقال: مَدْحة، والفرق بينهما أن "حِمد" يتضمَّن الثناء مع العلم بما يثني به، فإن تجردَ عن العلم كان مدحًا ولم يكن حمدًا، فكلُّ حَمْد فدح دون العكس، ومن حيث كان يتضمَّن العلم بخصال٢ المحمود جاء فعله على "حَمِد" بالكسر موازنَا لـ "علم"، ولم يجئ كذلك "مدح"، فصار المدح في الأفعال الظاهرة كالضرب ونحوه (ظ /١٩٥)، ومن ثَمَّ لم نجد في الكتاب ولا في السنة "حَمِد ربنا فلانًا"، وتقول: مدحَ الله فلانًا وأثنى علي فلان، ولا: تقول: حَمِد إلا لنفسه، ولذلك قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بلام الجنس المفيدة للاستغراق، فالحمد كلُّه له إما