توقيره وتَعْزيره١ وإجلاله، وكذلك محبة الوالدين والعلماء وملوك العدل، وأما محبة الرب عبدَه فإنها تستلزم إعزاره لعبده، وإكرامه إياه، والتنويه بذكره، وإلقاء التعظيم والمهابة له في قلوب أوليائه، فهذا المعنى ثابت في محبته وحمدِه لعبدِه، سُمِّي تعظيمًا وإجلالا أو لم يسَمَّ.
ألا ترى أن محبته -سبحانه- لرسله كيف اقتضت أن نوَّه بذكرهم في أهل السماء والأرض، ورفع ذكرَهم على ذِكر غيرهم، وغضب على من لم يحبهم ويوقوهم ويُجلهم، وأحلَّ به أنواعَ العقوبات في الدنيا والآخرة؟! وجعل كرامته في الدنيا والآخرة لمحبيهم وأنصارهم وأتباعهم، أو لا ترى كيف أمر عاده وأولياءه بالصلاة التي هي تعظيم وثناء على خاتمهم وأفضلهم صلوات الله وسلامه عليه؟! أفليس هذا تعظيمًا لهم وإعزازا وإكراما وتكريمًا٢؟!.
فإِن قيل: فقد ظهر الفرق بين الحمد والمدح، واسْتَبان صبح المعنى وأسفر وجهه، فما الفرق بينه٣ وبين الثناء والمجد؟.
قل: قد تعدينا طَوْرَنا فيما نحن بصدده، ولكن نذر الفرق تكميلا لفائدة، فنذكر تقسيما جامعا لهذه المعاني الأربعة -أعني: الحمد والمدح والثناء والمجد- فنقول:
الإخبار عن محاسن الغير له ثلاثة اعتبارات؛ اعتبار من حيث المُخْبَر به. واعتبار من حيث الإخبار عنه بالخَبَر .. واعتبار من حيث
(١) ليست في (ق)
(٢) ليست في (ق)
(٣) "بينه و" سقطت من (ق).
حال المُخْبِر. فمن حيث الاعتبار الأول ينشأ التقسيم إلى الحمد والمجد، فإن المخْبَر به إما أن يكون من أوصاف العظمة والجلال والسعة وتوابعها، أو من أوصاف الجمال والإحسان وتوابعها١، فإن كان الأول؛ فهو المجد، وإن كان الثاني؛ فهو الحمد، وهذا لأن لفظ "مجد" في لغتهم يدور على معنى الاتساع والكثرة، فمنه قولهم: "أمجد الدابةَ عَلَفًا"، أي: أَوْسعها عَلَفًا، ومنه: مَجُد الرجل فهو ماجد، إذا كَثر خيره وإحسانه إلىَ الناس قال الشاعر٢:
ومن حيث٤ اعتبار الخبر نفسه ينشأُ التقسيم إلى الثناء والحمد، فإن الخبر عن المحاسن إمَّا مُتكرِّر٥ أَوْ لا، فإن تكرَّر فهو الثناء، وإن لم يتكرر فهو الحمد، فإن الثناءَ مأخوذٌ من الثني وهو العطف، وردُّ الشيءِ بعضه على بعض، ومنه: ثنيتُ الثوبَ، ومنه: التثنية في الاسم، فالمثْنِي مُكرِّر لمحاسن من يُثْني عليه مرةً بعد مرة.
(١) من قوله: "أو من ... " إلى هنا ساقط من (ق).
(٢) هى: فاطمة بنت أسد، والبيت من شواهد ابن مالك في "شرح الكافية": (١/ ٤١٣) وذكره البغدادي في "الخزانة": (٩/ ٢٢٥ - ٢٢٦) ضمن أبيات.
(٣) أنظر: "مجمع الأمثال": (٢/ ٤٤٥ - ٤٤٦). والمَرْخ والعَفَار نوع من الشجر يُسْرع الاشتعال، والمثل يضرب في تفضيل بعض الشي على بعض.