بدائع الفوائد

يشتمل على "السحر". ولا يشتمل "السحر" عليه، فلا يجوز إذا أن يتعرف "السحر" تعريفًا معنويًا حتى يكون ظرفا بمنزلةِ اليومِ الذي هو منه، ليكون تقديم اليوم مع كونه ظرفا مُغْنِيًا عن آلة التعريف.

فصل١

وأما "ضحوة" و"عشية" و"مساء"، ونحو ذلك، فإنها مفارقة لسحر من حيث كانت منوَّنة، وإن أردتَها ليوم بعينه، وهى موافقة له في عدم التصرف والتمكُن. والفرق بينهما: أن هذه أسماء فيها معنى الوصف؛ لأنها مشتقة مما تُوصَف به الأوقاتُ التي هى ساعات اليوم، فالعشي من العِشَاء، والضحوة من قولك: "فرس أضحى" و"ليلة إِضحيان" تُرِيد البياضَ، والصباح من "الأصبح"، وهو لون بين لونين٢، فإذا قلت: خرجث اليوم عشيًّا وظلامًا، وضحَى وبصرا -حكاه سيبويه٣ - فإنما تريد: خرجتُ اليومَ في ساعة وصفها كذا، أو خرجت وقتًا مظلما أو مبصرا أو نحو ذلك، فقد بان لك أنها أوصاف لنكرات، وتلك النكرات هى أجزاء اليوم وساعاته؛ ألا ترى أنك إذا قلت: "خرجت اليوم ساعة منه"، أو: "مشيتُ اليوم وقتا منه"، لم يكن إلا منوّنا، إلا أن "ساعة ووقتًا" غير معين، "وضحوة وعشية" قد تخصصا بالصفة، ولكنه لم يتعرَّف، وإن كان ليومٍ بعينه؛ لأنه غير معرف بـ "الألف واللام"، كما كان "سحر"؛ لأن "سحر" اسم جامد يتعرَّف كالأسماء ويُخْبَر عنه، وأما نعته فلا يكون كذلك؛ لأن النعتَ لا يكون فاعلا ولا مفعولًا، ولا يُقَام مقام

  1. (١) "نتائج الفكر": (ص/ ٣٧٧).
  2. (٢) سقطت من (ق).
  3. (٣) "الكتاب": (١/ ١١٥).
547

المنعوت إلا على شُروط مخصوصة.

فإن قلت: أليس هذه الأوقات معروفة عند المخاطَب من حيث كانت ليوم بعينه، فلِمَ لا تكون معرفة كما كان "سحر" إذا كان ليوم بعينه؟.

قيل: لم يتعرَّف "سحر" بشيءٍ إلا بمعنى "الألف واللام" لا من حيث كان ليوم بعينه، فقد تعرِّف المخاطَبَ الشيءَ بصفتِهِ كما تعرف بآلة التعريف، فتقول: "رأيت رجلًا من صفته كذا وكذا"، حتي يعرفه المخاطب، فيسري إليه التعريف، وهو مع ذلك نكرة، وكذلك "ضحوة وعشية"، وإنما اسْتغني عن ذكر المنعوت بهذه الصفات لتقدّم ذكر اليوم الذي هو مشتمل: على الأوقات الموصوفة بهذه المعانى، كما استُغْني عن ذكر المنعوت إذا قلت: "زيد قائم"، ولاشك أن المعنى: "زيد رجلٌ قائم"، ولكن ترك ذكر الرجل لأنه "زيد"، وكذلك: "جاءني زيد صالحًا"، أي١: رجلًا صالحًا، ولكن زيدًا هو الرجل فأغناك عن ذكره، وكذلك ما نحن٢ بسبيله من هذه الأسماء التي هي في نفسها أوصاف لأوقات أَعنى ذكر اليوم -الذي هي له- عن ذكرها لاشتمالها عليه، ولم أيكن ذلك في "سحر"، ومن ثمَّ أيضًا لم تتمكن، فتقول: "سِيْر عليه يوم الجمعة ضحوةً وعشيةً"، لأن تمكنها يخرجها إلى حيز الأسماء ويُبْطِل منها معنى الصفة، فلا ترتبط حينئذ باليوم الذي أردتها له، وينضاف إلى هذه العلة علة أخرى قد تقدَّمت في فصل "سحر". وكذلك كل ما كان من الظروف نعتًا في الأصل،

  1. (١) من قوله: "قائم، ولاشك .. " ساقط من (ق).
  2. (٢) (ق) وبعض نسخ "النتائج": "لَحِق".
548

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي