فإن قلت: أليس هذه الأوقات معروفة عند المخاطَب من حيث كانت ليوم بعينه، فلِمَ لا تكون معرفة كما كان "سحر" إذا كان ليوم بعينه؟.
قيل: لم يتعرَّف "سحر" بشيءٍ إلا بمعنى "الألف واللام" لا من حيث كان ليوم بعينه، فقد تعرِّف المخاطَبَ الشيءَ بصفتِهِ كما تعرف بآلة التعريف، فتقول: "رأيت رجلًا من صفته كذا وكذا"، حتي يعرفه المخاطب، فيسري إليه التعريف، وهو مع ذلك نكرة، وكذلك "ضحوة وعشية"، وإنما اسْتغني عن ذكر المنعوت بهذه الصفات لتقدّم ذكر اليوم الذي هو مشتمل: على الأوقات الموصوفة بهذه المعانى، كما استُغْني عن ذكر المنعوت إذا قلت: "زيد قائم"، ولاشك أن المعنى: "زيد رجلٌ قائم"، ولكن ترك ذكر الرجل لأنه "زيد"، وكذلك: "جاءني زيد صالحًا"، أي١: رجلًا صالحًا، ولكن زيدًا هو الرجل فأغناك عن ذكره، وكذلك ما نحن٢ بسبيله من هذه الأسماء التي هي في نفسها أوصاف لأوقات أَعنى ذكر اليوم -الذي هي له- عن ذكرها لاشتمالها عليه، ولم أيكن ذلك في "سحر"، ومن ثمَّ أيضًا لم تتمكن، فتقول: "سِيْر عليه يوم الجمعة ضحوةً وعشيةً"، لأن تمكنها يخرجها إلى حيز الأسماء ويُبْطِل منها معنى الصفة، فلا ترتبط حينئذ باليوم الذي أردتها له، وينضاف إلى هذه العلة علة أخرى قد تقدَّمت في فصل "سحر". وكذلك كل ما كان من الظروف نعتًا في الأصل،
(١) من قوله: "قائم، ولاشك .. " ساقط من (ق).
(٢) (ق) وبعض نسخ "النتائج": "لَحِق".
نحو: "ذا [صباح]١ " و"ذاتَ مَرَّة" و"أقمتُ طويلًا" و"جلست قريبا"، لا يتمكن ولا يخرج عن الظرف.
ويلحق بهذا الفصل: "نهارًا" إذا قلت: "خرجتُ اليومَ نهارًا"؛ لأنَّه مشتقٌّ مِن: "أَنْهِرِ الدَّمَ بما شِئْت"٢ يريد الانتشار والسعة، ومنه: "النهر" من الماء؛ لأنه بالإضافة إلى موضع تفجره كالنهار بالإضافة إلى فجوه؛ لأن [النهار]٣ ما ينتشر٤ ويتسع، فما تفجَّر من الماء والنهر، بمنزلة ما انتشر واتسع من فجر الضياء، واليوم أوسع من النهار في معناه، فصار قولك: "خرجتُ اليوم نهارًا" كقولك: "خرجتُ اليومَ٥ " ظهرًا وعشيًّا"، معنى الاشتقاق فيها كلها بَيِّن، فجَرَت مجرى الأوصاف النكرات في تنوينها وعدم تمكنها.
قلت: ولما كان النهار أوسع من النهر، خُصَّ بالألف المعطية اتساع النطق وانفتاح الفم دون النهر.
فصل٦
وأما "غُدْوَة" و"بُكْرة" فهما اسمان عَلَمان، وعدم التنوين فيهما
(١) في الأصول: "حاج"! والمثبت من "النتائج".
(٢) أخرجه أبو داود رقم (٢٤٢٨)، والنسائي (٧/ ٢٢٥)، وابن ماجه رقم (٣١٧٧) من حديث عدي بن حاتم ﵁. وفي سنده سِماك بن حرب متكلم فيه، ومرِّي بن قطري، قال الحافظ؛ "مقبول".