بدائع الفوائد

إذا قلت: "سِيْر بزيد يومَ الجمعة غُدْوةُ"، فلا يحتاج إلى إضافة ولا لام تعريف، وتقول "سِيْر به يومُ الجمعة غدوةَ"، على الظرفِ فيهما جميعًا؛ لأنها بعض اليوم، كما تقول: "سِرت العامَ رجَبًا كلَّه"، وتقول: أيضًا: "سير به يومُ الجمعة غدوةُ" برفعهما، كأنها بدل من١ اليوم، ولا تحتاج أيضًا إلى الضمير كما تحتاج في بدل البعض من الكل؛ لأنها ظرف في المعنى. ولو قلت: "كُرِه يومُ السبت غدوةُ" على البدل، لم يكن بدٌّ من إضافة "غُدوة" إلى ضمير المبدل منه؛ لأن اليوم ليس بظرف، فيكون كقولك: "كرهت يومَ الخميسِ سحَرَه"، إذا أردت البدلَ، لأن المكروه هو السحر دون (ق / ١٢٩ ب) سائر اليوم، وإنما يُسْتغنى عن ضمير يعود على اليوم إذا تركته ظرفا على حاله؛ لأن بعض اليوم إذا كان ظرفا لفعل، كان جميع اليوم ظرفا لذلك الفعل.

واعلم أنه ما كان من الظروف له اسم عَلَم، فإن الفعل إذا وقع فيه تناول جميعه، وكان الظرف مفعولًا على سَعَة الكلام، فإذا قلت: "سِرتُ غدوةَ"، فالسير وقع في الوقتِ كله، وكذلك: "سِرت السبتَ والجمعة، وصفر والمحرم"، كله مفعول٢ على سَعَة الكلام لا ظرف للفعل؛ لأن هذه الأسماء لا يطلبها الفعل ولا هي في أصل موضوعها زمان، إنما هي عبارة عن معانٍ أُخَر، فإن أردتَ أن تجعل شيئًا منها ظرفًا، ذكرتَ لفظَ الزمان وأضفتَه إليها، كقولك: "سِرتُ يومَ السبت" و"شهر المحرم"، فالسير واقع في الشهر ولا يتناول جميعَه إلا بدليل، والشهر ظرف وكذلك اليوم.

  1. (١) سقطت من (ق).
  2. (٢) سقطت من (ق).
551

قال سيبويه١: "ومما لا يكون الفعل إلا واقعا به كله: "سرت المحرم وصفر""، هذا معنى كلامه. وإذا ثبت هذا؛ فرجب ورمضان أسماء أعلام إذا أردتها (ظ/٩٨ ب) لعامٍ بعينه، أو كان في كلامك ما يدل على عام تضيفها إليه، فإن لم يكن ذلك صار الاسم نكرة، تقول: "صمتُ رمضان ورمضانا آخر"، و"صمت الجمعةَ وجمعة أخرى"، إنما أردت جمعةَ أسبوعِك ورمضان عامِك، وإذا كان نكرة لم يكن إلا شهرا واحدا، كما تكون النكرة من قولك: "ضربت رجلا"، إنما تريد واحدا، وإذا كان معرفةً يكون ما٢ يدل على التمادي وتوالي الأعوام، لم يكن حينئذ واحدًا، كقولك: "المؤمن يصوم رمضان"، فهو معرفة لأنك لا تريده لعام٣ بعينهِ؛ إذ المعنى: يصوم رمضان من كل عام على التمادي وذِكْرُ الإيمان قرينةٌ تدل على المراد، ولو لم يكن في الكلام ما يدلُّ على هذا لم يكن محمله إلا على العام الذي أنت فيه٤.

وإذا ثبت هذا؛ فانظر إلى قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وفي الحديث: "مَنْ صامَ رَمَضان"٥ و"إذا دَخَلَ رمَضان"٦، بدود لفظ الشهر. ومُحال أن يكون فعل ذلك

  1. (١) "الكتاب": (١/ ١١٠).
  2. (٢) كذا بالأصول، واستظهر محقق "النتائج" أنها: "مقترنة بما".
  3. (٣) (ظ ود): "لعام واحد".
  4. (٤) بعده في "النتائج": "أو عام تقدم له ذكر".
  5. (٥) أخرجه البخاري رقم (١٩٠١)، ومسلم رقم (٧٦٠) من حديث أبى هريرة ﵁.
  6. (٦) أخرجه البخاري رقم (٣١٠٣)، ومسلم رقم (١٠٧٩) من حديث أبى هريرة ﵁.
552

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي