قال سيبويه١: "ومما لا يكون الفعل إلا واقعا به كله: "سرت المحرم وصفر""، هذا معنى كلامه. وإذا ثبت هذا؛ فرجب ورمضان أسماء أعلام إذا أردتها (ظ/٩٨ ب) لعامٍ بعينه، أو كان في كلامك ما يدل على عام تضيفها إليه، فإن لم يكن ذلك صار الاسم نكرة، تقول: "صمتُ رمضان ورمضانا آخر"، و"صمت الجمعةَ وجمعة أخرى"، إنما أردت جمعةَ أسبوعِك ورمضان عامِك، وإذا كان نكرة لم يكن إلا شهرا واحدا، كما تكون النكرة من قولك: "ضربت رجلا"، إنما تريد واحدا، وإذا كان معرفةً يكون ما٢ يدل على التمادي وتوالي الأعوام، لم يكن حينئذ واحدًا، كقولك: "المؤمن يصوم رمضان"، فهو معرفة لأنك لا تريده لعام٣ بعينهِ؛ إذ المعنى: يصوم رمضان من كل عام على التمادي وذِكْرُ الإيمان قرينةٌ تدل على المراد، ولو لم يكن في الكلام ما يدلُّ على هذا لم يكن محمله إلا على العام الذي أنت فيه٤.
وإذا ثبت هذا؛ فانظر إلى قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾[البقرة: ١٨٥] وفي الحديث: "مَنْ صامَ رَمَضان"٥ و"إذا دَخَلَ رمَضان"٦، بدود لفظ الشهر. ومُحال أن يكون فعل ذلك
(٥) أخرجه البخاري رقم (١٩٠١)، ومسلم رقم (٧٦٠) من حديث أبى هريرة ﵁.
(٦) أخرجه البخاري رقم (٣١٠٣)، ومسلم رقم (١٠٧٩) من حديث أبى هريرة ﵁.
إيجازًا واختصارًا، لأن القرآن أبلغ إيجازًا وأبين إعجازًا، ومُحال أيضا أن يدع ﷺ، لفظ القرآن مع تحرِّيه لألفاظه، وما عُلِم من عادته من الاقتداء به، فيدع ذلك لغير حكمة، بل لفائدة جسيمة ومعان شريفة اقتضت الفرق بين الموضعين.
وقد ارتبك الناسُ في هذا الباب فكرهَتْ طائفة أن يقولوا: "صمتُ رمضانَ"، بل "شهر رمضان"، واستهوى ذلك (ق / ١٣٠ أ) الكُتَّاب، واعتلَّ بعضهم في ذلك برواية مَنْحولةٍ إلى ابن عباس: "رمضانُ اسمٌ مِن أسماءِ الله"١، قالوا: ولذلك أضيف إليه الشهر، وبعضهم يقول: إن رمضان هن الرَّمْضاء، وهو الحر، وتعلق الكراهية بذلك، وبعضهم يقول: إن هذا استحباب واقتداء بلفظ القرآن.
وقد اعتنى بهذه المسألة أبو عبد الرحمن النسائي لِعِلْمه وحِذْقه، فقال في "السنن"٢: باب جواز أن يُقال: دخل رمضان أو صمت رمضان، وكذلك فعل البخاري٣، وأوردَ الحديثَ المتقدم: "مَنْ صَامَ رَمَضانَ".
وإذا أردت معرفة الحكمة والتحقيق في هذه النكتة، فقد تقدَّم أن
(١) أخرجه ابن عدي في "الكامل": (٧/ ٥٣)، والبيهقي في "الكبرى": (٤/ ٢٠١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وضعّفه ابن عدي بأبي مَعشر الراوي عن أبي هريرة، قال الحافظ في "الفتح": (٤/ ١٣٥): "وقد رُوي عن أبي معشر عن محمد بن كعب وهو أشبه، وروي عن مجاهد والحسن من طريقين ضعيفين" اهـ. ورجح أبو حاتم في "العلل": (١/ ٢٤٩) أنه من قول أبي هريرة، ولم أجده من رواية ابن عباس.
(٢) (٤/ ١٣٠) وفيه: "الرخصة في أن يقال لشهر رمضان: رمضان".
(٣) مع "الفتح": (٤/ ١٣٥) وبوَّب: "باب هل يقال: رمضان أو شهر رمضان، ومن رأى كله واسعًا".