بدائع الفوائد

إيجازًا واختصارًا، لأن القرآن أبلغ إيجازًا وأبين إعجازًا، ومُحال أيضا أن يدع ﷺ، لفظ القرآن مع تحرِّيه لألفاظه، وما عُلِم من عادته من الاقتداء به، فيدع ذلك لغير حكمة، بل لفائدة جسيمة ومعان شريفة اقتضت الفرق بين الموضعين.

وقد ارتبك الناسُ في هذا الباب فكرهَتْ طائفة أن يقولوا: "صمتُ رمضانَ"، بل "شهر رمضان"، واستهوى ذلك (ق / ١٣٠ أ) الكُتَّاب، واعتلَّ بعضهم في ذلك برواية مَنْحولةٍ إلى ابن عباس: "رمضانُ اسمٌ مِن أسماءِ الله"١، قالوا: ولذلك أضيف إليه الشهر، وبعضهم يقول: إن رمضان هن الرَّمْضاء، وهو الحر، وتعلق الكراهية بذلك، وبعضهم يقول: إن هذا استحباب واقتداء بلفظ القرآن.

وقد اعتنى بهذه المسألة أبو عبد الرحمن النسائي لِعِلْمه وحِذْقه، فقال في "السنن"٢: باب جواز أن يُقال: دخل رمضان أو صمت رمضان، وكذلك فعل البخاري٣، وأوردَ الحديثَ المتقدم: "مَنْ صَامَ رَمَضانَ".

وإذا أردت معرفة الحكمة والتحقيق في هذه النكتة، فقد تقدَّم أن

  1. (١) أخرجه ابن عدي في "الكامل": (٧/ ٥٣)، والبيهقي في "الكبرى": (٤/ ٢٠١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وضعّفه ابن عدي بأبي مَعشر الراوي عن أبي هريرة، قال الحافظ في "الفتح": (٤/ ١٣٥): "وقد رُوي عن أبي معشر عن محمد بن كعب وهو أشبه، وروي عن مجاهد والحسن من طريقين ضعيفين" اهـ. ورجح أبو حاتم في "العلل": (١/ ٢٤٩) أنه من قول أبي هريرة، ولم أجده من رواية ابن عباس.
  2. (٢) (٤/ ١٣٠) وفيه: "الرخصة في أن يقال لشهر رمضان: رمضان".
  3. (٣) مع "الفتح": (٤/ ١٣٥) وبوَّب: "باب هل يقال: رمضان أو شهر رمضان، ومن رأى كله واسعًا".
553

الفعل إذا وقع على هذه الأسماء الأعلام فإنه يتناول جميعَها، ولا يكون ظرفا مقدرًا بـ "في" حتى يذكر لفظ الشهر أو اليوم، الذي أصله أن يكون ظرفا، وأما الاسم العلم فلا أصل له في الظرفية.

وإذا ثبت هذا؛ فقوله سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فيه١ فائدتان أو أكثر:

أحدهما: أنه لو قال: "رمضان الذي أنزل فيه القرآن"، لاقتضي اللفظ وقوع الإنزال على جميعِهِ، كما تقدَّم من قول سيبويه، وهذا خلاف المعنى؛ لأن الإنزال كان في ليلة واحدة منه في ساعة منها، فكيف يتناول جميع الشهر؟، فكان ذكر الشهر٢ الذي هو غير عَلَم موافقا للمعنى، كما تقول: "سِرت في شهر كذا"، فلا يكون السير متناولا لجميع الشهر.

والفائدة الأخرى: أنه لو قال ﴿رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، لكان حكم المدح والتعظيم مقصورًا على شهرٍ بعينه؛ إذ قد تقدَّم أن هذا الاسم وما هو مثله إذا لم تقترن به قرينة تدلُّ على توالي الأعلام التي هو فيها، لم يكن محمله إلا العام الذي أنت فيه، أو العام المذكور قبلَه. فكان ذكْر الشهر -الذي هو الهلال في الحقيقة- كما قال الشاعر٣:

* والشَّهْر مِثلُ قُلامَةِ الظُّفْرِ *

  1. (١) سقطت من (ق).
  2. (٢) "فكان ذكر الشهر" سقطت من (ق).
  3. (٣) ذكره الخطابي في "غريب الحديث": (١/ ١٣٠) بلا نسبة، وصدره:
    * ابدأْن مِن نَجْدِ عَلَى ثقةٍ *
554

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي