بدائع الفوائد

فإن قيل: فينبغي إن يكون قوله: "من صام١ رمضان" مقصورا على العام الذي هو فيه، لما لَقدَّم من قولكم: إنه إنما يكون معرفة عَلَمًا إذا أردته لعامك أو لعامٍ بعينه.

قيل: قوله: "مَنْ صَام رمضان"، على العموم؛ خطابٌ لكل قرن ولأهل كل عام، فصار بمنزلةِ قولك: "من صام كلَّ عام رمضان"، كما تقول: "إن جئتني كلَّ يوم سحرا أعطيتك"، فقد [اقترنت به]٢ قرينة تدل على التمادي وتنوب مَنَاب ذكر "كلِّ عام"؛ وقد اتضح الفرقُ بين الحديثين والآية. فإذا فهمت فَرْقَ ما بينهما بعد تأمل هذه الفصول وتدبرها، ثم لم تَعْدل عندك هذه الفائدة جميع الدنيا بأسرها فما قدرتها حقَّ قدرها، والله المستعان على واجب شكرها. هذا نص كلام السُّهيلي بحروفه، ثمَّ قال:

"فصل٣

الفعل، يعمل في الحقيقة إلا فيما يدل عليه لفظُه، كالمصدر والفاعل والمفعول به، أو فيما كان صفة لواحد من هذه نحو: "سرت سريعًا"، و"جاء: زيد ضاحكًا"؛ لأن الحالَ هي صاحبُ الحال في المعنى. وكذلك النعتُ والتوكيدُ والبدل؛ كلُّ واحد من هذه هو الاسم الأول في المعني، فلم يعمل الفعلُ إلا فيما دلَّ عليه لفظه؛ لأنك إذا قلت: "ضرَب" اقتضى هذا اللفظ "ضربًا" و"ضاربًا" و"مضروبًا"، وأقوى دلالته على المصدر؛ لأنه هو الفعل في المعنى،

  1. (١) بالأصول: "قام"، والمثبت من "النتائج" بدليل ما بعده.
  2. (٢) معرفة في الأصول، والإصلاح من "النتائج".
  3. (٣) "نتائج الفكر": (ص/ ٣٨٧).
556

ولا فائدة في ذكره مع الفعل إلا أن تريد التوكيد أو تبيين النوع منه، وإلا فلفظ الفعل مُغْنٍ عنه، ثم دلالة الفعل على الفاعل أقوى من دلالته على المفعول به من وجهين:

أحدهما: أنه يدلُّ على الفاعل بعمومه وخصوصه، نحو: "فَعَل زيد"، و"عَمِل عَمْرو". وأما الخصوص فنحو: "ضربَ زيد عَمْرًا"، ولا تقول: "فعل زيد عَمْرا"، إلا أن يكون الله هو الفاعل سبحانه.

والوجه (ق / ١٣١ أ) الآخر: أن الفعل هو حركة الفاعل، والحركة لا تقوم بنفسها، وإنما هي متصلة بمحلها، فوجبَ أن يكون الفعلُ متصلا بفاعله لا بمفعوله، ومن ثمَّ [قالوا "ضربت"، فجعلوا ضمير الفاعِل كبعض حروف الفعل، ومن ثم]١ قالوا: "ضرْب زيد لعمرو"، و"ضرْب زيدٍ عَمْرًا"، فأضافوه إلى المفعول باللام تارة وبغير لام أخرى، ولم يضيفوه إلى الفاعل باللام أصلا؛ لأن اللام تؤذن بالانفصال (ظ/٩٩ ب)، ولا يصح انفصال الفعل عن الفاعل لفظًا، كما لا ينفصل عنه معنى".

قلت٢: وفي صِحَّة قوله: "ضرْب زيد لعَمْرو" نظر، والمعروف الإتيان بهذه اللام إذا ضَعُف الفعل بالتأخير، نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ٤٣﴾ [يوسف: ٤٣] أو كان اسمًا نحو: "أنا ضارب لزيد"، أو: "يعجبني ضربُك لزيد"، لضعف العامل٣ في هذه المواضع دُعِّم باللام، ولا يكادون يقولون: "شربت للماء"،

  1. (١) ما بين المعكوفين ساقط من الأصول، والاستدراك من "النتائج".
  2. (٢) الكلام لابن القيم ﵀.
  3. (٣) (ق): "لضعفت العوامل".
557

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي