بدائع الفوائد

التعيين بحيث لا يقوم غيره مقامه. والسؤال إنما يلزم أَنْ لو قيل: إنها مقتضية للثاني. أما إذا كانت مقتضية لمعيَّن من المعيَّنات على سبيل البدل لم يلزم ذلك السؤال، والله أعلم.

قال: "وإذا ثبت ما قلناه، فما عدا هذه الأشياء فلا يصل إليه الفعل (ق/ ١٣١ ب) إلا بواسطة حرف، نحو: "المفعول معه" و"الظرف المكاني"، نحو: "قمت في الدار"؛ لأنه لا يدلُّ عليه بلفظه، وأما ظرف١ الزمان، فكذلك أيضا؛ لأن الفعل لا يدل عليه بلفظه ولا بِبِنْيته، وإنما يدلُّ بِبِنْيته على اختلاف أنواع الحَدَث، وبلفظه على الحدث٢ نفسه، وهكذا قال سيبويه في أول "الكتاب"٣، وإن تسامحَ في موضعٍ آخر٤.

وأما الزمان؛ فهو حركة الفلك، فلا ارتباط بينه وبين حركة الفاعل إلا من جهة الاتفاق والمصاحبة، إلا أنهم قالوا: "فعلت اليوم"؛ لأن اليومَ ونحوه أسماء وُضعتْ للزمان يَتَورخَّ بها الفعل الواقع فيها، فإذا سمعها المخاطب علم المراد بها، واكتفى بصيغتها عن الحرف الجار. فإن أَضْمَرتها لم يكفِ لفظ الإضمار، ولا أَغْنى عن الحرف، لأن لفظ الإضمار يصلح للزمان ولغيره، فقلت: يومَ الجمعة خرجت فيه، وقد تقول: خرجت في يوم الجمعة، لأنها وإن كانت أسماء موضوعة للتأريخ فقد يُخْبر عنها٥، كما يُخْبر عن

  1. (١) (ظ ود): "لفظ".
  2. (٢) (ق): "الحديث" في الموضعين.
  3. (٣) (١/ ٢).
  4. (٤) (١/ ١٥)، كما تقدمت الإشارة إليه في أول هذا الكتاب.
  5. (٥) بعده في "النتائج": "فتقول: ذهب اليوم".
559

المكان، إلا أن الإخبار عن المكان المحدود أكثر وأقوى؛ لأن الأمكنة أشخاص كزيد وعَمرو، وظروف الزمان بخلاف ذلك، فمن ثَمَّ قالوا: "سرت اليوم" و"سرت في اليوم"، ولم يقولوا: "جلستُ الدارَ"١

فصل٢

فإن كان الظرف مشتقا من فعل، (ظ/ ١٠٠ أ) تعدَّى إليه الفعل٣ بنفسه؛ لأنه في معنى الصفة لا تتمكن ولا يُخْبر عنها، وذلك: كـ "قبل" و"بعدُ" و"قريبا منك"؛ لأن في "قَبْل" معنى المقابلة، وهي من لفظ "قَبَل"، و"بَعْدُ" من لفظ "بَعُدَ"، وهذا المعنى هو من صفة المصدر؛ لأنك إذا قلت: "جلست قبل جلوس زيد"، فما٤ في "قبل" من معنى المقابلة فهو في٥ صفة جلوسك، ولم يمتنع الإخبار عن "قبل" و"بعد" من حيث كان غير محدود، لأن الزمان والدهر قد يُخْبر عنهما وهما غير محدودين. تقول: "قمت في الدهر مرةً"، وإنما امتنع: "قمتُ في قبلك"، للعلة التي ذكرناها.

ومن هذا النحو ما تقدم في فصل "غدْوة" و"عَشيَّة" من امتناع تلك الأسماء من التمكن، لما فيها من معنى الوصف٦، نحو: "خرجت بَصَرًا وظلامًا" و"عشية وضحى"، وإن كنا قد قدَّمنا أن هذه

  1. (١) "جلست الدار" ليست في (ظ ود). وبعدها في "النتائج": "بغير حرف الوعاء".
  2. (٢) "نتائج الفكر": (ص/ ٣٨٩).
  3. (٣) (ق): "المفعول ".
  4. (٤) (ق): "فما كان".
  5. (٥) كذا في الأصول، وأصلحها محقق "النتائج" إلى: "من".
  6. (٦) بعدها في "النتائج": "وما فيها من معنى الوصف راجع إلى الاسم الذي هو: الفاعل". وانظر ما تقدم (٢/ ٥٤٩).
560

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي