فقد وضح لك أن الأميال مقادير المشي، وهو مصدر، فمن ثَمَّ عمل فيها الفعل، ومن ثَمَّ عمل في المكان، نحو: "جلست مكان زيد"، لأنه مَفْعل من الكَون، فهو في أصل وضعه مصدر عبِّر به عن الموضع، والموضع أيضًا من لفظ الوضع، فلا يعمل الفعل في شيءٍ من هذا القبيل بغير حرف.
والذي قلناه في مكان، أنه من الكَون هو قول الخليل في "كتاب العين"٢ إلا أنهم شبهوا "الميم" بالحرف الأصلي للزومها، فقالوا: في الجمع: "أمكنة"، حتى كأنه على وزن "فَعَال"، وقد فعلوا ذلك في ألفاظ كثيرة، شبَّهوا الزائد بالأصلي، نحو: "تمدرع" و"تمسكن".
وأما: "جلست يمينك وشمالك"، فليس من هذا الفصل، ولكنه مما حُذِفَ منه الجار لعلم السامع، أرادوا: "عن يمينك وعن شمالك"، أي: الناحيتين٣، ثم حُذِف الجار فتعدَّى الفعل فنَصَب، فهو من باب: "أمرتك الخيرَ"، وإنما حُذِف الحرف لما تضمنه الفعل من معنى الناصب؛ لأنك إذا قلت: "جلست عن يمينك"، فمعنى الكلام: قابلت يمينك وحاذيته، ونحو ذلك.
فصل٤
ومن هذا الباب تعدِّي الفعل إلى الحال بنفسه، ونعني بالحال
صفة الفاعل التي فيها ضميره، أو صفة المفعول، أو صفة (ق/١٣٣ أ) المصدر الذي عَمِل فيها؛ لأن الصفة هي الموصوف من حيث كان فيها الضمير الذي هو الموصوف؛ وذلك نحو: "سرتُ سريعًا" و"جاء ضاحكًا"، و"ضربته قائمًا"، فلم يعمل الفعل في هذا النحو من حيث كان حالًا؛ لأن الحال غير الاسم الذي يدل عليه الفعل؛ ألا تري أنك إن صرحت بلفظ الحال لم يعمل فيها الفعل إلا بواسطة الحرف، نحو: "جاء زيد في حال ضَحِك"، ولا تقول: "جاء زيد حالَ ضحك"؛ لأن الحال غير "زيد"، ولذلك لا تقول: "جاء زيد ضَحِكًا"؛ لأنه غيره، وغير المجيء، فلا يعمل "جاء" فيه إلا بواسطة؛ فإذا قلت: "ضاحكًا" عمل فيه؛ لأن الضاحك هو (ظ/ ١٠١ أ) زيد. وإذا قلت: "جاء مشيًا"، عمل فيه أيضًا، لا من حيث كان صفة لزيد؛ لأنه لا ضمير فيه يعود على "زيد"، ولكن من حيث كان صفة للمصدر الذي هو "المجيء"، فعمل فيه "جاء" كما يعمل في المصدر.
وأما عمله في المفعول من أجله، فإنه لم يعمل فيه بلفظه عندي؛ ولكنه دلَّ على فعل باطن من أفعال النفس والقلب١، أثارَ هذا الفعل الظاهر، وصار ذلك الفعل الباطن عاملًا في المصدر الذي هو المفعول من أجله في الحقيقة، والفعل الظاهر دالٌّ عليه، ولذلك لا يكون المفعول من أجله منصوبًا إلا بثلاثة شرائط: